Preloader Image
news خبر عاجل
clock
حين تتحول اللقطات إلى أداة لإثارة المشاعر.. مشاهد الفنيدق وسبتة بين المونتاج وموسيقى التأثير

حين تتحول اللقطات إلى أداة لإثارة المشاعر.. مشاهد الفنيدق وسبتة بين المونتاج وموسيقى التأثير

لم يعد الخطر في العصر الرقمي يقتصر على الخبر الكاذب، بل أصبح يكمن أيضًا في الخبر الناقص، والصورة المجتزأة، والمقطع الذي يُنتزع من سياقه ثم يُعاد إخراجه بطريقة تستهدف العاطفة قبل العقل. وما رافق الأحداث الأخيرة بمنطقتي الفنيدق وسبتة يقدم نموذجًا واضحًا لهذا الواقع؛ إذ امتلأت منصات التواصل بمقاطع مصورة أُرفقت بموسيقى مؤثرة وتعليقات حادة وعناوين صادمة، بما يجعل المتلقي يعيش حالة انفعال قبل أن يطرح السؤال البديهي: هل هذه الصورة تروي القصة كاملة؟ أم أنها مجرد جزء من مشهد أوسع جرى توظيفه لإنتاج انطباع معين؟


ولا خلاف في أن من حق المواطنين الاطلاع على الوقائع ومناقشة القضايا التي تهمهم، كما أن معالجة الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية تظل مسؤولية جماعية ومؤسساتية. لكن التجارب الدولية أظهرت كذلك أن أي حدث داخلي يمكن أن يتحول، في الفضاء الرقمي، إلى فرصة لحملات تضليل أو تأثير، عبر حسابات وصفحات مجهولة أو غير واضحة الهوية، تعمل على تضخيم المشاهد وإعادة تدويرها خارج سياقها، مع توظيف عناصر نفسية وبصرية تستهدف إثارة الغضب والإحباط وفقدان الثقة. لذلك فإن التعامل مع أي محتوى متداول لا ينبغي أن يكون بعاطفة اللحظة، بل بعين ناقدة تبحث عن المصدر والسياق والتوقيت والغاية.


إن أخطر ما في هذه المقاطع أنها لا تخاطب العقل بقدر ما تخاطب المشاعر. فالموسيقى الحزينة، واللقطات البطيئة، والتعليقات الانفعالية، والانتقاء المقصود لبعض المشاهد دون غيرها، كلها أدوات معروفة في صناعة التأثير الرقمي، وقد تجعل المتلقي يعتقد أنه أمام حقيقة مكتملة، بينما يكون في الواقع أمام رواية واحدة من بين روايات متعددة. ولهذا فإن إعادة نشر أي محتوى دون تحقق قد تجعل المستخدم، من حيث لا يدري، جزءًا من سلسلة تضخيم قد تخدم أهدافًا لا يعلمها، سواء كانت مرتبطة بالسعي إلى زيادة التفاعل، أو نشر معلومات مضللة، أو محاولة توجيه الرأي العام.


إن قوة المغرب لم تكن يومًا في ادعاء الكمال، بل في قدرته على مواجهة التحديات ومعالجتها، وفي وعي مواطنيه بأن النقد المسؤول يختلف عن الخطابات التي تستغل الأزمات لتغذية الانقسام. فالوطنية ليست شعارًا يُرفع عند الأزمات، بل سلوك يقوم على تحري الحقيقة، ورفض الانسياق وراء المحتويات الموجهة، والإيمان بأن الإصلاح يبدأ بالنقاش الرصين لا بالتأجيج، وبالتحقق لا بالتهويل. وفي زمن أصبحت فيه الهواتف الذكية ساحات مفتوحة لحروب التأثير، فإن الدفاع الأول عن الوطن لا يكون فقط عند الحدود، بل أيضًا في الفضاء الرقمي، حين يختار المواطن أن يكون باحثًا عن الحقيقة لا مجرد ناقلٍ لما يريد الآخرون أن يراه ويصدقه.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات