Preloader Image
news خبر عاجل
clock
الصحافة والسياسة.. أين ينتهي حق النقد ويبدأ منطق الترهيب؟

الصحافة والسياسة.. أين ينتهي حق النقد ويبدأ منطق الترهيب؟

في كل مرة يقترب فيها صحافي من ملف يثير الجدل، أو يسلط الضوء على اختلالات في تدبير الشأن العام، أو يطرح أسئلة محرجة حول أداء مسؤول منتخب أو فاعل سياسي، يبرز سؤال قديم يتجدد باستمرار: هل المطلوب من الصحافي أن يكشف الحقائق أم أن يكتفي بما يرضي أصحاب النفوذ؟

ولماذا يتحول بعض المسؤولين إلى خصوم للصحافة بمجرد نشر معطيات أو وقائع تضع أداءهم تحت مجهر الرأي العام؟

وهل أصبح مجرد طرح الأسئلة نوعاً من المغامرة المهنية التي قد تكلف الصحافي حملات تشهير أو تهديدات أو محاولات ضغط بأشكال مختلفة؟

الصحافة لم تُخلق لتصفق. ولم توجد لتوزع شهادات حسن السيرة على المسؤولين. فالوظيفة الأساسية للصحافي ليست الدفاع عن السياسي ولا مهاجمته، بل مراقبة تدبير الشأن العام ونقل الوقائع وتمكين المواطنين من المعلومات التي تساعدهم على تكوين رأيهم بحرية.

لكن ماذا يحدث عندما يختلط النقد بالعداء الشخصي في نظر البعض؟

ولماذا يلجأ بعض المسؤولين، بدل تقديم التوضيحات والوثائق والردود المقنعة، إلى اعتماد منطق "أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم"؟

أليس من حق الرأي العام أن يعرف كيف تُدبر الأموال العمومية؟ وكيف تُتخذ القرارات؟ ولماذا تتعثر بعض المشاريع؟ ومن المسؤول عن التأخير أو التقصير إن وجد؟

إن اللجوء إلى القضاء حق مكفول للجميع عندما يتعلق الأمر بادعاءات كاذبة أو تشهير أو نشر معلومات غير صحيحة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل ينبغي أن يتحول القضاء إلى أداة تخويف لكل صحافي يقترب من الملفات الحساسة؟

وهل يمكن الحديث عن رقابة مجتمعية حقيقية إذا كان مجرد فتح ملف عمومي قد يجر وراءه ضغوطاً أو تهديدات أو محاولات لإسكات الأصوات المزعجة؟

وفي المقابل، هل يمكن إنكار وجود ممارسات غير مهنية داخل بعض المنابر الإعلامية؟ بالتأكيد لا. فكما يوجد مسؤول نزيه وآخر فاسد، يوجد صحافي مهني وآخر يسيء للمهنة. وكما أن وجود مسؤولين فاسدين لا يدين العمل السياسي كله، فإن وجود صحافيين غير مهنيين لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة لإدانة الصحافة بأكملها.

أليست هذه طبيعة المجتمعات البشرية منذ القدم؟ صراع دائم بين النزاهة والفساد، وبين المسؤولية والانتهازية، وبين من يخدم المصلحة العامة ومن يبحث عن مصلحته الخاصة؟

لهذا السبب تحديداً، لا يمكن أن تكون مواجهة الانحرافات المهنية مبرراً لإضعاف الصحافة الجادة، بل دافعاً لتعزيزها وتقوية آلياتها الأخلاقية والقانونية.

فالصحافي الحقيقي لا يحتمي بالشائعات، بل بالوثائق.

ولا يستند إلى الاتهامات المجانية، بل إلى المعطيات القابلة للتحقق.

ولا يصدر الأحكام، بل يطرح الأسئلة ويعرض الوقائع ويفسح المجال للرد والتوضيح.

هنا تبرز معادلة دقيقة: كيف نحمي حرية الصحافة دون المساس بحقوق الأفراد؟ وكيف نحمي سمعة الأشخاص دون تحويلها إلى حصانة ضد النقد والمساءلة؟

إن المواثيق الدولية تعتبر حرية التعبير والوصول إلى المعلومات من الحقوق الأساسية، كما تؤكد على ضرورة تمكين الصحافيين من أداء عملهم دون خوف أو تهديد، لأن الاعتداء على الصحافة لا يطال الصحافي وحده، بل يمس حق المجتمع كله في المعرفة.

كما أن أخلاقيات المهنة نفسها تضع حدوداً واضحة للعمل الصحافي، من خلال احترام الدقة والتوازن والتحقق من المعلومات وإتاحة حق الرد والابتعاد عن التشهير والأحكام المسبقة.

لكن هل تكفي النصوص وحدها؟

أليس المطلوب اليوم بناء ثقافة ديمقراطية تعتبر النقد جزءاً من الحياة العامة لا إعلان حرب؟

أليس من حق الصحافي أن يحقق وينشر ويسائل ما دام ملتزماً بالقانون وأخلاقيات المهنة؟

وأليس من واجب المسؤول العمومي أن يقبل الخضوع للنقد باعتباره جزءاً من المسؤولية التي اختار تحملها؟

إن المجتمع الذي يخاف فيه الصحافي من السؤال، هو مجتمع يفقد تدريجياً حقه في المعرفة.

والمسؤول الذي يعتبر كل نقد استهدافاً شخصياً، يخلط بين شخصه وبين المنصب الذي يشغله.

أما الصحافة التي تحترم القانون وتستند إلى الوقائع والوثائق، فلا ينبغي أن تخاف من أحد، لأنها لا تمارس سلطة فوق المجتمع، بل تؤدي وظيفة رقابية لصالحه.

ويبقى السؤال الأهم:

إذا تراجعت الصحافة عن كشف الحقائق خوفاً من الضغوط والتهديدات، فمن سيخبر المواطنين بما يجري خلف الأبواب المغلقة؟

ومن سيطرح الأسئلة التي لا يريد البعض سماعها؟

ومن سيؤدي دور السلطة الرابعة عندما تختار السلطة الرابعة الصمت؟

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات