Preloader Image
news خبر عاجل
clock
الحلقة الثالثة: صعصع المسؤول "بُو وْدِينَة".. حين يصبح "النمّام" مستشاراً أولاً في المؤسسة

الحلقة الثالثة: صعصع المسؤول "بُو وْدِينَة".. حين يصبح "النمّام" مستشاراً أولاً في المؤسسة

مراد العطشان

نواصل في رحلتنا لتفكيك الأمراض الاجتماعية والإدارية التي تنخر مؤسساتنا وتعطل مصالح العباد. واليوم، نضع فوق "كرسي الاعتراف" الساخن نمطاً خطيراً، متلوّناً، ومثيراً للشفقة والشفقة معاً؛ إنه المسؤول "بُو وْدِينَة". وكي لا نخرج عن ميثاق هذه السلسلة،فإننا لا نعمم؛ فالحديث ليس عن المسؤول القائد الذي يملك مهارة الإنصاف والاستماع الواعي لكل الأطراف بتبصّر وحكمة، بل عن ذلك المسؤول الهش الذي يمارس "الصعصعة" بعقول الآخرين، ويسلّم أذنيه لكل من هبّ ودبّ من الخَبَثَة والوشاة لضمان بقائه في دائرة الضوء.

تبدأ مغامرة المسؤول "بُو وْدِينَة" اليومية بفتح أبواب مكتبه، ليس لاستقبال المشاريع والأفكار التنموية، بل لاستقبال "بريد الوشاية" اليومي. يملك هذا المسؤول قدرة عجيبة على الإصغاء لساعات طويلة للتقارير الشفوية المسمومة من (حمير الطاحونة), هؤلاء الوشاة الذين يبيعون كرامتهم مقابل "نظرة رضا" أو وعود واهية بالترقية، بينما يضيق ذرعاً بقراءة تقرير تقني مفيد من صفحة واحدة. مغامرته الكبرى تكمن في إلغاء عقله وتسيير مرفقه بناءً على "قالوا لي" و"سمعتُ عن فلان"؛ حيث تصبح جودة العمل لديه مكافئة لمدى قدرة الموظف على التملق ونقل الأخبار، مما يحول مكتبه إلى سوق عكاظ للنميمة الإدارية.

حين يسلّم "بُو وْدِينَة" قيادته لـ "صعاصعة" الخفاء، تظهر الأفعال البائسة لسياسة الآذان المثقوبة. تجده يصدر قرارات فجائية بـ "تجميد" موظف كفء، أو نقل آخر، أو حرمان ثالث من مستحقاته، ليس بناءً على تقييم مهني أو تقارير لجان، بل لأن أحد الخبثاء همس في أذنه بـ "كلمة مسمومة" في ممر ضيق. يمارس "بُو وْدِينَة" فعل الظلم بدم بارد وهو يعتقد أنه "يحمي المؤسسة"، في حين أنه مجرد أداة لتصفية الحسابات الشخصية وتنفيذ أجندات تفرقة يطبخها "صعاصعة" البطانة لضمان بقائهم كآمرين ناهين في الإدارة.

هنا، وفي هذه الفقرة تحديداً، يجب أن نفتح باباً للإنصاف والمراجعة النفسية. فالحقيقة الصادمة أن "بُو وْدِينَة" هو، في عمق الأشياء، ضحية حقيقية ومظلوم! هو ضحية لنقائصه النفسية، وذعره الدائم من فقدان الكرسي، وافتقاده لمهارات القيادة الحقيقية التي تُبنى على الثقة والتبين. لكنه، وبشكل أكثر قسوة، ضحية لتلك البطانة الخبيثة التي تفننت في دراسة نقاط ضعفه، وتطويق عقله، وسلب إرادته. لقد حاصروه بحرائق الأزمات المفتعلة، وأقنعوه بأن الجميع يتآمر عليه، وأنهم وحدهم "أذنيه" الصادقة وعينه الساهرة؛ فاستسلم لخوفه ولم يجد مفراً من تسليم مفاتيح عقله لإمبراطورية السمع. نعم، هو مسؤول عن قراراته الجائرة، لكنه أداة طيعة في يد جلاديه الحقيقيين.

يجلس المسؤول "بُو وْدِينَة" اليوم وجهاً لوجه معنا فوق كرسي الاعتراف. يحاول بكل ما أوتي من مظهرية وبروتولكول أن يبدو شخصية قوية وصاحب قرار مستقل، منكراً أن يكون ألعوبة في يد أحد أو أنه يحتاج لمن يفكر بدلاً منه. لكن، بمجرد مواجهته بقراراته المتناقضة وشكاوى الموظفين والمرتفقين الموثقة، تظهر هشاشته الداخلية؛ فيتحجج بـ "الحفاظ على النظام" و"صعوبة ضبط الأمور"، متناسياً أن القائد الحقيقي يقود بعينيه وعقله، لا بأذن تبتلع سموم الخبثاء. نتركه يتخبط في تبريراته، لنؤكد أن خراب أي مؤسسة يبدأ يوم يرتدي مسؤولوها قناع "بُو وْدِينَة".

نجدد التذكير بأن أي تشابه أو تطابق في هذه الحلقة مع أشخاص في الواقع أو مؤسسات بعينها هو محض صدفة صِرْفة؛ فـ "بُو وْدِينَة" هو مجرد نموذج مجهري لتشريح خطورة غياب التبين والتنصل من المسؤولية في مراكز القرار. انتظرونا مع حلقة جديدة، وقناع جديد، وشخصية أخرى من خبايا "الصعصعة"... فالكرسي لا يزال ملتهباً، والملفات مفتوحة!

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات