إعداد: إبراهيم باعزيز
لم تكن ليلة الثامن من شتنبر 2023 ليلة عادية في تاريخ المغرب. ففي دقائق معدودة، تحولت قرى بالأطلس الكبير إلى أنقاض، بعدما ضرب زلزال بلغت قوته 6.8 درجات مناطق واسعة من المملكة، وكان مركزه في منطقة إيغيل بإقليم الحوز. وامتدت آثاره إلى أقاليم مجاورة، من بينها شيشاوة، مخلفاً حصيلة نهائية بلغت 2946 وفاة و5674 إصابة، فضلاً عن دمار واسع طال المساكن والبنيات والتجهيزات الأساسية.
ثلاث سنوات مرت على تلك الليلة، لكن تفاصيلها لم تغادر الذاكرة. أصوات الاستغاثة، مشاهد الإنقاذ، وجوه الناجين، وغياب من رحلوا تحت الأنقاض، كلها تحولت إلى جزء من ذاكرة جماعية مغربية. غير أن سؤال الذكرى لم يعد مرتبطاً بحجم الكارثة وحده، بل بما حدث بعدها؛ من عمليات الإيواء والإغاثة، إلى إعادة بناء المساكن وتأهيل المناطق المتضررة، في فضاء جبلي كانت هشاشته الاجتماعية والمجالية قائمة حتى قبل الزلزال.
ومنذ الأيام الأولى، انطلقت تعبئة واسعة لمواجهة آثار الفاجعة، فيما أحدثت الدولة صندوقاً خاصاً لتدبير الآثار المترتبة عن الزلزال، بلغت مساهماته نحو 19 مليار درهم. كما أُطلق برنامج واسع لإعادة البناء والتأهيل، لم يقتصر على المساكن، بل شمل البنيات التحتية والخدمات الأساسية ودعم القطاعات الاجتماعية والاقتصادية بالمناطق المتضررة.
ومع مرور السنوات، تحول ورش الإعمار إلى اختبار آخر: ليس فقط لإعادة تشييد ما تهدم، وإنما لإعادة وصل القرى بمحيطها، وفك العزلة عن المناطق الجبلية، وتأهيل الطرق والمسالك والمدارس والمرافق الصحية، وتحسين شروط العيش. وبذلك، أصبحت إعادة البناء مرتبطة أيضاً بسؤال التنمية، وكيف يمكن لمرحلة ما بعد الزلزال أن تسهم في تقليص جزء من الفوارق المجالية والاجتماعية التي تعاني منها بعض المناطق الجبلية.
لكن صورة التعافي لا تبدو واحدة لدى جميع المتضررين. فبينما تؤكد المعطيات الرسمية استمرار تقدم عمليات إعادة الإعمار، تواصل هيئات مدنية وتنسيقيات للمتضررين إثارة ملفات مرتبطة بالتعويضات والإيواء والاستفادة من برامج إعادة البناء، مطالبة بمعالجة ما تعتبره اختلالات أو حالات لم تستفد بعد بالشكل المطلوب. وبين المعطيات الرسمية والمطالب الميدانية، يظل سؤال الإنصاف حاضراً في الذكرى الثالثة.
وفي قلب هذا المسار، يبرز مواطن الجبل باعتباره أكثر من مجرد مستفيد من ورش إعادة الإعمار. فبالنسبة إلى كثير من الأسر، لم تكن العودة إلى الأرض مجرد استعادة لمسكن، بل تمسكاً بالمجال الذي نشأت فيه، وبالروابط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي صنعت حياة هذه القرى عبر أجيال. لذلك، فإن إعادة بناء الحوز لا تعني إعادة تشييد الحجر فقط، وإنما الحفاظ على استمرارية الحياة في المرتفعات، وتهيئة شروط تجعل البقاء فيها خياراً ممكناً وكريماً ومستداماً.
ثلاث سنوات بعد الزلزال، تبدو الحصيلة أكبر من أن تختصر في عدد المساكن التي أعيد بناؤها أو حجم الأموال التي رُصدت. هناك ذاكرة الضحايا، وحقوق الناجين، وحاجة المناطق المتضررة إلى تنمية مستمرة، وضرورة تحويل تجربة 8 شتنبر إلى معرفة مؤسساتية ومجتمعية في مجال الوقاية والاستعداد للمخاطر الطبيعية.
وفي الذكرى الثالثة، يبقى الوفاء لضحايا الزلزال مرتبطاً أيضاً بما سيُبنى بعدهم: قرى أكثر صموداً، وبنيات أكثر أماناً، ومؤسسات أكثر يقظة، ومجتمع أكثر استعداداً. فالزلزال انتهى في اللحظة التي هدأت فيها الأرض، لكن مسؤولية ما بعده مستمرة؛ في إعادة البناء، وإنصاف المتضررين، وحماية المواطنين، وتحويل ذاكرة 8 شتنبر إلى درس وطني في الوقاية والاستباق والاستعداد لمخاطر المستقبل.