Preloader Image
news خبر عاجل
clock
أسواق مراكش النموذجية.. مقابر إسمنتية تنتظر تدخل الوالي لفتح تحقيق وبدء الحساب

أسواق مراكش النموذجية.. مقابر إسمنتية تنتظر تدخل الوالي لفتح تحقيق وبدء الحساب

لا يختلف اثنان ممن يعشقون مراكش، على أن احتلال الملك العمومي واختناق الأرصفة بباعة جائلين، قد أصبح نقطة سوداء تؤرق بال الساكنة والزوار على حد سواء؛ ولقد استبشرنا خيراً طيلة عقود، حينما رُصدت ملايين الدراهم من المال العام، لتأهيل القطاع غير المهيكل، لتشييد ما سُمي بـ "الأسواق النموذجية" أو "أسواق القرب"، بهدف نبيل يرمي إلى حفظ كرامة الفراشة، وإخلاء الشوارع، وإعادة الانضباط للمشهد الحضري للمدينة الحمراء. لكن، وبمرور السنين، تحولت هذه الفكرة التنموية إلى واحدة من أكبر المفارقات الصادمة في التدبير المحلي، حيث أصبحنا أمام معادلة مشوهة: أسواق شُيدت بالإسمنت والحديد تئن تحت وطأة الهجران والنسيان ويسكنها الغبار، وفي المقابل، شوارع محيطة بها تغرق في الفوضى واحتلال الأرصفة بشكل غير مسبوق، كـ "مقابر إسمنتية" كبّدت ميزانية الدولة أموالاً طائلة دون طائل.

إن واقع الحال في العديد من مقاطعات المدينة يقدم أدلة دامغة لا يمكن حجبها بالغربال، حيث نجد فضاءات ومشاريع كبرى كُتب لها أن تظل خارج الخدمة تماماً أو بنسب ملء شبه منعدمة لسنوات، في وقت تزدحم فيه المحاور الطرقية الرئيسية بالعشوائية اليومية. والأخطر من ذلك، أن بعض هذه المشاريع تحولت من مقاربة اجتماعية لمحاربة الهشاشة إلى مادة دسمة لتقارير المراصد الحقوقية والوطنية لحماية المال العام، بسبب خروقات شابت توزيع "الحنطات" والتعثر في تفويت الصفقات، مما أدى إلى استفادة غرباء ومضاربين لا علاقة لهم بالتجارة على حساب "الفراشة الحقيقيين" الذين فروا مجدداً إلى الشارع، هرباً من أسواق أُنشئت في مواقع معزولة وبأشكال هندسية تفتقر لأبسط شروط التهوية والجاذبية التجارية.

أمام هذا الهدر الصريح للمال العام والتعطيل الواضح لعجلة التنمية المحلية، فقد جاء يوم الحسم؛ إذ لم يعد مقبولاً اليوم الاكتفاء بـ "لجان المعاينة" الروتينية أو الوعود التي تتجدد مع كل ولاية انتخابية، بل إن المرحلة تقتضي بلغة واضحة وصرامة مسؤولة وضع حد لهذه الفوضى المزدوجة التي تجمع بين تعطيل المرافق العمومية واحتلال الشوارع. ومن هنا، ومن موقع المسؤولية الإعلامية والغيرة الوطنية، نرفع دعوة مباشرة وصريحة إلى السيد والي جهة مراكش-آسفي، للتدخل الحازم وفتح تحقيق ولائي عاجل، صارم وأسود في هذا الملف الذي ظل لسنوات محاطاً بالكثير من علامات الاستفهام، والنبش في الدفاتر القديمة لجرد كافة هذه الأسواق المغلقة وتحديد المسؤوليات بدقة.

إن هذا التحقيق الولائي المأمول يجب أن يركز على التدقيق الصارم في لوائح المستفيدين والجمعيات المشرفة، واتخاذ قرار شجاع بـ إسقاط الاستفادات "الأشباح" وسحب المحلات فوراً من المضاربين الذين تركوها مغلقة لعقود، ثم إعادة توزيعها بشفافية مطلقة على الباعة الحقيقيين المتواجدين في الشوارع مع إجبارهم على إخلاء الملك العمومي، أو في المقابل، تحويل البنايات التي استحال استغلالها تجارياً إلى مرافق سوسيو-ثقافية ودور شباب وملاعب قرب تحتاجها الساكنة بشدة، تفعيلاً للمبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة وعدم السماح بتحويل المشاريع الملكية والتنموية إلى ريع سياسي أو شخصي ضيق.

كإن "يوم الحسم" في مراكش يقتضي قراراً جريئاً يعيد للمال العام حرمته، وللمدينة نظامها، وللمواطن كرامته؛ فمراكش التي تزهو بإشعاعها الدولي وتستعد لمواعيد عالمية كبرى، لا يمكن أن تسير بسرعتين: سرعة ناطحات السحاب والمشاريع المهيكلة، وسرعة أسواق إسمنتية مهجورة تحمي العشوائية بدل أن تقضي عليها. إن قلمنا لن يتوقف عن كشف هذه الاختلالات بنقد بناء ومسؤول، لأن ترك المال العام يتبخر وسط جدران منسية، هو أمر لم يعد يتسع له وقت مراكش، ولا كرامة ساكنتها التي تنتظر بفارغ الصبر إشارة البدء في عملية التطهير والمحاسبة تحت الإشراف المباشر لولاية الجهة.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات