من جليز إلى دوار الكدية.. دقائق في المسافة وسنوات في المشهد الحضري... واجهة عصرية وحيٌّ عالق في زمن العشوائية
على أبواب جليز، وفي قلب مراكش التي تتغير ملامحها بوتيرة متسارعة، يبدو دوار الكدية وكأنه يعيش خارج الزمن. كيف يعقل أن يوجد حي لا تفصله سوى دقائق عن واحد من أكثر أحياء المدينة حيوية، ثم يظل غارقاً في مشاهد توحي بأن عقارب الساعة توقفت به منذ سنوات؟ كيف يمكن أن تتجاور واجهات جليز العصرية وشوارعها المنظمة مع واقع آخر في الكدية، حيث الأزقة الضيقة والمتدرجة، والواجهات الإسمنتية التي تفتقد حتى لأبسط مظاهر العناية، ومشاهد يومية تعكس حجم الهوة بين منطقتين تنتميان إلى مدينة واحدة؟ هل أصبح التفاوت في المشهد الحضري أمراً عادياً إلى درجة أن يمر الجميع بجانب هذه المفارقة دون أن يسأل: أين هي الكدية من مراكش التي تتحدث عن التنمية والتأهيل والمدينة العالمية؟

والحال أن الكدية لا تفتقر إلى ما يمكن أن يجعلها فضاءً مميزاً؛ بل ربما تملك ما تبحث عنه مدن كثيرة حين تريد صناعة هوية بصرية خاصة بها. فأزقتها الضيقة والمتدرجة، وتضاريسها المختلفة، تمنحها طابعاً يمكن أن يذكّر الزائر في بعض تفاصيله بأزقة شفشاون، ليس من حيث اللون، فشفشاون معروفة بأزرقها المميز، وإنما من حيث هندسة الدروب وتدرجها وخصوصية المشهد. فلماذا لا يتم استثمار هذا المؤهل؟ لماذا تبقى أغلب الواجهات في حالتها الإسمنتية، بلا صباغة ولا عناية، وكأن الجمال ممنوع من الوصول إلى هذه المنطقة؟ لماذا لا تتحول الكدية إلى فضاء حضري جذاب، بتأهيل الأزقة، وتحسين الواجهات، والإنارة، والنظافة، والتشجير، وتنظيم المسالك؟ ولماذا لا تصبح نقطة تستقطب الزوار الذين يبحثون عن ملامح مختلفة لمراكش، بدل أن تبقى فرصة سياحية وجمالية مهدورة وسط المدينة؟

لكن المفارقة الأكثر إيلاماً تظهر في تفاصيل الحياة اليومية. فاحتلال الأرصفة، وعرض السلع على الطريق، وتمدد بعض الأنشطة إلى الشارع، وانتشار العربات المجرورة، كلها مظاهر تزيد من اختناق الحي وتحوّل الفضاء العام إلى مجال مفتوح للمنافسة بدل أن يكون حقاً مشتركاً للجميع. فأين يمر الراجل عندما يُحتل الرصيف؟ ومن يحمي الشارع عندما تتحول أجزاء منه إلى أماكن لعرض السلع؟ وهل أصبح المواطن مطالباً بالتعايش مع الفوضى باعتبارها أمراً واقعاً؟ وأين هي المراقبة الميدانية المنتظمة؟ ثم ماذا عن البناء والتغييرات العمرانية التي قد تتم خارج الضوابط، إن ثبتت مخالفتها؟ هل يتم التدخل في الوقت المناسب، أم أن المخالفات لا تتحرك إلا بعدما تصبح أمراً واقعاً؟ وهل يُعقل أن تظل هذه المظاهر تتراكم في حي يقع في قلب المدار الحضري لمراكش، وعلى مسافة قصيرة من جليز، دون أن تتحول إلى ورش حقيقي لإعادة التنظيم والتأهيل؟

وتنويه واجب: لا بد هنا من الإشادة بالموقف الذي عبّر عنه عامل عمالة المحمدية عادل المالكي في حديثه عن دور الصحافة، حين أكد، بمعنى واضح، أن الصحافي عليه أن يُصوّر وينقل الحاجة التي ليست على ما يرام حتى يتم إصلاحها. وهي رسالة تستحق أن تُستقبل بروح وطنية ورياضية، لأنها تختصر المعنى الحقيقي للعلاقة بين الإعلام والإدارة: الصحافة ليست خصماً للمسؤول، والنقد ليس هجوماً، والتنبيه إلى الاختلالات ليس بحثاً عن الصدام، وإنما هو مساهمة في الإصلاح واستدراك ما يمكن استدراكه. ومن هذا المنطلق، فإن كل مسؤول تُوجَّه إليه مقالة تنتقد، باحترام وموضوعية، وضعاً يحتاج إلى تدخل، يمكنه أن يقرأها باعتبارها فرصة للوقوف على ما يقع في الميدان، لا باعتبارها استهدافاً شخصياً. فالصحافة التي تنتقد من أجل الإصلاح لا تريد إسقاط المسؤول، وإنما تريد أن ترى الخلل يُعالج والمواطن يستفيد. وفي السياق نفسه، يستحق والي جهة مراكش-آسفي التنويه بما يُسجل من تفاعل مع المواضيع والقضايا البناءة، لأن التفاعل مع النقد المسؤول وفتح المجال أمام الملفات التي تستحق المعالجة يعكس روحاً تجعل من الإعلام أداة للتنبيه ومن الإدارة أداة للتصحيح.

وهنا تصل «رسالة إلى الوالي» إلى مقصدها الحقيقي: الكدية تحتاج إلى التفاتة ميدانية تضع حداً لمنطق الانتظار. فهل يمكن أن تتحول هذه المنطقة إلى ورش نموذجي للتأهيل الحضري؟ هل يمكن تنظيم الملك العمومي، وتحرير الأرصفة، ومعالجة فوضى عرض السلع، وتنظيم حركة العربات المجرورة، ومراقبة البناء، وإعادة الاعتبار للواجهات والأزقة؟ ولماذا لا يتم التفكير في مشروع جمالي يحافظ على خصوصية المكان، ويمنح واجهاته لوناً وهوية، ويجعل من تضاريسه وأزقته نقطة جذب جديدة داخل مراكش؟ إن الكدية لا تحتاج إلى معجزة؛ تحتاج إلى رؤية وقرار وحضور ميداني. وتحتاج، قبل كل شيء، إلى أن ينظر إليها باعتبارها جزءاً من مراكش التي تستحق التأهيل، لا هامشاً يُترك لمظاهر العشوائية حتى تتجذر. فالمدينة التي تريد أن تكون عالمية لا يكفي أن تلمّع واجهاتها الرئيسية؛ عليها أيضاً أن تنظر إلى أحيائها من الداخل، وأن تحول مكامن الخلل إلى فرص للإصلاح، ومكامن الجمال المهدر إلى قيمة مضافة تخدم السكان وتزيد من جاذبية المدينة.