مقال يكشف نشاطاً مشبوهاً يستهدف طلبة كلية العلوم القانونية بجامعة القاضي عياض عبر «واتساب».. لماذا اتجهت شكاية العميد بالنيابة إلى الصحفي؟
هل يعقل أن تكشف الصحافة عن خيوط شبكة رقمية تتحرك داخل مجموعة على «الواتساب» وتستهدف، وفق ما تم رصده ونشره، طلبة بعروض مرتبطة بالغش والنقط، فيكون أول رد فعل هو وضع شكاية ضد الصحفي الذي كشف الموضوع؟ سؤال ثقيل يفرض نفسه بقوة في ملف كلية العلوم القانونية بجامعة القاضي عياض، بعدما اختار عميد الكلية بالنيابة تقديم شكاية ضد كاتب المقال التحذيري الذي سلط الضوء على ما كان يجري داخل إحدى مجموعات «الواتساب»، بدل أن يتحول مضمون المقال نفسه إلى مدخل للتحقق والبحث في حقيقة ما يجري داخل تلك المجموعة، ومن يقف وراءها، وكيف تشتغل، ومن يستهدفها، وما إذا كان هناك طلبة تعرضوا فعلاً للاستغلال أو الاحتيال. وهنا لا يتعلق الأمر بمواجهة شخصية بين عميد وصحفي، ولا بمحاولة منح الصحافة حصانة من المساءلة، وإنما بمفارقة تستحق أن توضع تحت الضوء: عندما يكشف صحفي عن خطر محتمل يمس نزاهة الامتحانات وقيمة الشهادات الجامعية، هل تكون الأولوية لملاحقة من كشف الخطر، أم لكشف مصدر الخطر نفسه؟
المقال الذي كتبته وتناول هذه القضية لم يتهم العميد بالنيابة ولا إدارة الكلية ولا أي إطار جامعي بالتورط في هذه الأفعال، وإنما نقل إلى الرأي العام ما تم رصده داخل مجموعة رقمية، وسلط الضوء على طبيعة العروض والرسائل التي كانت تتداول فيها، وعلى وجود ما بدا أنه نشاط منظم يستهدف الطلبة بخدمات مرتبطة بالنقط والغش. ومهما كانت النتيجة النهائية للتحقيق القضائي، فإن الصحافة لا تملك أصلاً صلاحية إصدار الأحكام، وإنما تملك حق طرح الأسئلة والتنبيه إلى ما يستحق البحث. أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على عمادة الكلية بالنيابة، فهو بسيط وواضح: لماذا لم يكن مضمون المقال، قبل أي شيء آخر، سبباً في فتح تحقيق لمعرفة حقيقة هذه المجموعة؟ لماذا لم تتحول المعلومات التي نشرها الصحفي إلى خيط يقود إلى أصحاب الحسابات ومسيري المجموعة؟ لماذا لم يكن السؤال الأول هو: من يقف وراء هذه العروض؟ وهل هي حقيقية أم مجرد عملية احتيال؟ وهل هناك طلبة وقعوا ضحايا لها؟ أسئلة مشروعة لا تتضمن اتهاماً لأحد، لكنها تضع جوهر القضية في مكانه الصحيح.
واللافت أن الملف لم يتوقف عند حدود المقال والشكاية التي تقدم بها عميد الكلية بالنيابة ضد كاتبه، إذ ظهرت لاحقاً واقعة أخرى أكثر حساسية، بعدما تقدم أحد الطلبة بشكاية لدى النيابة العامة بمراكش، تتعلق بوقائع مرتبطة بمحتوى متداول عبر مجموعات رقمية، وبظهور اسمه ضمن كشوفات نقط يُشتبه في عدم صحتها، مع الحديث عن مبالغ مالية مرتبطة بهذه الوقائع، فضلاً عن وجود محضر معاينة قضائي لمحتوى من المحادثات والرسائل ذات الصلة. وهذه الوقائع لا تعني، بأي حال، ثبوت جريمة أو مسؤولية أي شخص قبل انتهاء البحث والقضاء، لكنها تجعل تجاهل الأسئلة الأصلية أمراً أكثر صعوبة. فإذا كانت الشكاية مجرد نتيجة لعملية احتيال إلكتروني، فليظهر ذلك من خلال التحقيق؛ وإذا كانت المعطيات غير صحيحة، فليتم تفنيدها بالوسائل القانونية؛ أما إذا كشف البحث عن وجود أشخاص يستغلون أسماء الطلبة أو يتاجرون بوهم النقط والغش، فالسؤال عندها يصبح أكبر بكثير من المقال الصحفي: من هم؟ كيف يشتغلون؟ وكيف تمكنوا من استهداف الطلبة؟ وهل كانت هناك مؤشرات سابقة على نشاطهم؟
والأكثر أهمية أن الشكاية ضد الصحفي لا تجيب عن أي واحد من هذه الأسئلة. فحتى لو افترضنا أن عميد الكلية بالنيابة اعتبر أن المقال تجاوز حدوداً معينة أو تضمن ما يستوجب الرد أو اللجوء إلى القضاء، فإن ذلك لا يلغي السؤال المتعلق بجوهر المعلومات التي نشرها المقال. بل إن المنطق المؤسساتي السليم يفترض أن تسير المساطر في اتجاهين متوازيين: حق المؤسسة في الدفاع عن نفسها بالوسائل القانونية، وحق الطلبة والرأي العام في معرفة ما إذا كانت المجموعات التي تحدثت عنها الصحافة تشكل فعلاً مصدر خطر على نزاهة العملية التعليمية. لذلك يبقى السؤال قائماً وبقوة: هل تحركت العمادة بالسرعة نفسها للتحقق من الشبكة التي كشف المقال خيوطها كما تحركت لوضع الشكاية ضد كاتبه؟ وهل جرى طلب فتح بحث حول المجموعة ومحتوياتها والأشخاص الذين يديرونها؟ وهل تم البحث عن طلبة آخرين ربما تعرضوا للابتزاز أو الاحتيال؟ وإذا كان كل ما ورد في المقال غير صحيح، فلماذا لا يكون التحقيق هو الطريق الأسرع لإثبات ذلك وإغلاق الملف؟
في النهاية، لا أحد يطلب من عمادة الكلية أن تقبل كل ما تنشره الصحافة دون نقاش، ولا أحد يطلب من الصحفي أن يكون فوق القانون؛ فالمؤسسات والصحافة والأفراد جميعاً يخضعون للقانون، والقضاء وحده يملك صلاحية الحسم في المسؤوليات. لكن السؤال الذي سيظل قائماً هو: هل كان الهدف من التحرك هو الوصول إلى حقيقة ما يجري داخل مجموعة «الواتساب»، أم أن القضية انتهت عملياً عند كاتب المقال؟ لأن المقال يمكن الرد عليه، والمعطيات يمكن تدقيقها، والأخطاء يمكن تصحيحها، لكن إذا كانت هناك فعلاً شبكة رقمية تستهدف الطلبة وتقدم لهم عروضاً مرتبطة بالنقط أو الغش، فإن أخطر ما يمكن فعله هو أن ينصرف النقاش عن أصل المشكلة. أما إذا أثبت التحقيق أن تلك المعطيات لا أساس لها، فسيكون ذلك أيضاً جواباً واضحاً للرأي العام. وفي الحالتين، تبقى مصلحة الطلبة ونزاهة الامتحانات فوق كل اعتبار، ويبقى السؤال الأكبر قائماً: لماذا وُضع الصحفي أولاً في مواجهة القضاء، بدل أن تكون خيوط الشبكة التي كشفها مقاله هي أول ما يوضع تحت مجهر البحث؟