Preloader Image
news خبر عاجل
clock
جليز.. من فضاء خارج أسوار المدينة إلى رئة مراكش العصرية ونابضها الاقتصادي

جليز.. من فضاء خارج أسوار المدينة إلى رئة مراكش العصرية ونابضها الاقتصادي

إبراهيم باعزيز 


لم يكن جليز دائماً كما يبدو اليوم. فخلف الشوارع التي لا تهدأ، والواجهات التجارية، والمقاهي والمطاعم والفنادق والمكاتب، تختبئ حكاية حي ارتبط بجزء مهم من التحولات التي عرفتها مراكش، وانتقل على امتداد عقود من فضاء شبه فارغ تعبره القوافل إلى واحد من أبرز مراكز المدينة الحديثة.

تعود بدايات هذه الحكاية إلى السنوات التي سبقت فرض الحماية الفرنسية، حيث لم تكن المنطقة سوى مجال جغرافي مفتوح تحيط بها تلال صغيرة أبرزها "جبل جليز"، الذي استمد الحي اسمه منه. ومع فرض الحماية الفرنسية سنة 1912، اختار المقيم العام هوبرت ليوطي إحداث نواة حضرية جديدة خارج أسوار المدينة العتيقة لتكون امتداداً إدارياً وسكنياً، مصممة على شكل شبكة هندسية عصرية من الشوارع الواسعة والساحات المفتوحة، قطعت مع النمط المعماري التقليدي والمتشعب للمدينة العتيقة.

وبعد الاستقلال، واصل جليز مسار تمدده ليتحول تدريجياً إلى أحد أبرز المراكز المالية والتجارية بالمدينة، مستقطباً الإدارات الكبرى والبنوك والشركات الدولية. ومع مرور الزمن وطفرة القطاع السياحي، تحولت الشوارع الرئيسية مثل شارع محمد الخامس وشارع علال بن عبد الله إلى واجهات حية تحتضن أشهر المقاهي والفنادق ودور النشر، مما جعل الحي الوجهة المفضلة للزوار والباحثين عن وسائل الراحة العصرية، فضلاً عن تحوله إلى فضاء منفتح يجمع بين الطبقة المتوسطة والمستثمرين والطلبة.

غير أن هذا التوسع المتسارع جلب معه تحديات كبرى؛ فقد واكب هذا التحول هدم عدد من الفيلات ذات الطابع المعماري المميز، المتأثرة بفن الآرت ديكو، وتعويضها بعمارات شاهقة غيّرت جزءاً من الهوية البصرية للحي. وإلى جانب ذلك، يكشف المشهد الحالي عن تناقض لافت يتمثل في وجود عقارات ومؤسسات قديمة مغلقة أو مهملة، ناهيك عن أزمات التنقل والاكتظاظ المروري، والضغط المتزايد على المساحات الخضراء والبيئة الحضرية.

واليوم، يقف جليز أمام مرحلة جديدة وحاسمة من التحول تتجاوز مجرد مقارنة صورتين بين الأمس واليوم. فالمستقبل المرتقب للحي يظل رهيناً بمدى القدرة على تحقيق معادلة صعبة تجمع بين جذب الاستثمار وتحديث البنيات التحتية، وبين حماية الهوية المعمارية والذاكرة التاريخية التي صنعت اختلافه. ومن هنا، يمثل جليز الرئة الاقتصادية والعصرية لمراكش، والواجهة التي تختصر قصة تحول حضري واقتصادي مفتوح على كل الاحتمالات، لتنطلق من خلاله رحلة تفكيك هذه الذاكرة واستشراف آفاقها.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات