بين الرباط ومراكش: تفاصيل قرار منع الجلوس على العشب والمشي.. مقاربة تنظيمية أم تقييد للفضاء العام؟
تخوض المدن الكبرى بالمملكة نقاشاً ميدانياً وقانونياً واسعاً حول تدبير المساحات الخضراء والفضاءات العمومية، مسلطة الضوء على تباين المقاربات بين العاصمة الإدارية الرباط والعاصمة السياحية مراكش. ويأتي هذا النقاش على خلفية الإجراءات الصارمة التي اتخذتها السلطات ومجالس المدن بمنع الجلوس والمشي على العشب في بعض المتنفسات، مما أفرز تداخلاً بين رغبة الإدارة في صيانة البيئة وحق المواطن في الاسترخاء المجاني.
على مستوى الرباط، أثارت القرارات الأخيرة القاضية بمنع الجلوس أو المشي على المساحات العشبية موجة من التفاعل المجتمعي. وتستند المجالس المنتخبة والسلطات المحلية في هذه الخطوة إلى مسوغات تقنية ومالية تتمثل في حماية البنية التحتية الخضراء من التلف السريع الناجم عن الضغط البشري الكثيف، وتخفيض تكاليف الصيانة والإصلاح الباهظة. في المقابل، عبرت فعاليات مدنية وأسر رباطية عن استيائها، معتبرة أن هذه الفضاءات تشكل المتنفس الطبيعي الوحيد المجاني، مما يفتح الباب أمام ضرورة إيجاد حلول وسطية كتخصيص ممرات للمشي أو اعتماد عشب مقاوم.
أما في مراكش، فيتخذ تدبير الفضاء الأخضر أبعاداً أخرى محكومة بالإكراهات المناخية والسياحية المميزة للمدينة الحمراء. فإلى جانب الحدائق التاريخية والكبرى التي تخضع لتنظيم دقيق يحمي طابعها التراثي، يتركز الاهتمام العمومي والمؤسساتي هناك على تحدي قلة المساحات الخضراء وضرورة مواجهة درجات الحرارة المرتفعة عبر التوسع الإجمالي للوعاء الأخضر، بدل التركيز الأساسي على زجر الاستغلال البشري.
وفي تحليل لهذا الوضع، يرى الحلول الزجرية وحدها لا تكفي لاحتواء الأزمة، بل تفرض المرحلة الراهنة الانتقال نحو تدبير ذكي ومستدام. ويشمل ذلك الاستثمار في أنواع نباتية وعشبية متطورة تتحمل الاستخدام المكثف والجفاف، فضلاً عن إرساء مقاربة تشاركية تدمج المواطن في حماية البيئة الحضرية دون حرمانه من حقه المشروع في التمتع بجمالية مدينته.