منذ أشهر، تحولت مراكش إلى ورش مفتوح. شوارع تُعاد تهيئتها، أرصفة جديدة، صباغة حمراء، تشجير هنا وتوسعة هناك، وأضواء تُركب في بعض المحاور الرئيسية. لا أحد يمكنه إنكار أن المدينة تعرف تغيرات على مستوى البنية الحضرية، وهذا أمر يُحسب للمجلس الجماعي. لكن وسط كل هذا الزخم، يبرز سؤال أكبر وأكثر إلحاحاً: هل أصبحت مراكش مدينة تُبنى للزائر أكثر مما تُبنى لأبنائها؟ وهل اختُزلت أولويات مدينة بملايين الزوار ومئات الآلاف من السكان في تجميل الشوارع فقط؟
ما يحتاجه المراكشي اليوم ليس فقط رصيفاً جديداً أو طبقة إسفلت إضافية. ما يحتاجه هو مدينة تمنحه أسباب العيش فيها، لا مجرد المرور عبرها. فحين ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية كل صيف، أين هي المتنفسات الكبرى التي تحمي الأسر والشباب والأطفال من جحيم الإسمنت؟ أين هي الحدائق الحقيقية الواسعة التي تستوعب الساكنة بدل دفعها إلى الجلوس فوق مساحات خضراء ضيقة بمحاذاة الطرقات؟ وأين هي الرؤية التي تجعل الإنسان محور التنمية بدل أن يكون مجرد متفرج على مشاريع تُلتقط بجانبها الصور التذكارية؟
الأكثر إثارة للتساؤل أن مدينة بحجم مراكش، وبمكانتها السياحية والاقتصادية، ما تزال عاجزة عن توفير مرافق ترفيهية كبرى تليق بها. لماذا لا يوجد مشروع لمسبح عمومي ضخم يستوعب آلاف الشباب خلال فصل الصيف؟ لماذا لا نسمع عن مشاريع ترفيهية كبرى، أو فضاءات عائلية واسعة، أو حدائق موضوعاتية، أو مدينة ألعاب حقيقية تُعيد الحياة إلى عطلات الأسر المراكشية؟ أليست مراكش أولى بمثل هذه المشاريع من مدن أقل منها إشعاعاً وإمكانات؟ أم أن حق الساكنة في الترفيه لم يدخل بعد ضمن أجندة الأولويات؟
ثم ماذا عن فرص الشغل خارج القطاع السياحي؟ فكلما أُعلن عن مشروع جديد في المدينة، يكون مرتبطاً بشكل أو بآخر بالسياحة أو الخدمات الموجهة للزوار. لكن ماذا عن الشباب المراكشي الباحث عن فرصة عمل مستقرة؟ ماذا عن الاستثمارات الصناعية والتكنولوجية والمشاريع المنتجة للقيمة المضافة؟ وهل يُعقل أن تظل مدينة بحجم مراكش رهينة قطاع واحد، مهما كانت أهميته، دون تنويع حقيقي لاقتصادها؟ إن الرهان على السياحة وحدها قد يجمّل الواجهة، لكنه لا يجيب عن الأسئلة الاجتماعية والاقتصادية التي تؤرق آلاف الأسر.
ولعل ما يزيد من حدة هذه التساؤلات أن بعض المحاور التي شملتها إعادة التهيئة ما تزال تعاني من اختلالات أساسية، مثل ضعف الإنارة في عدد من المقاطع رغم انتهاء الأشغال بها. فهل يكفي توسيع الشوارع إذا ظلت بعض الخدمات المصاحبة دون المستوى المطلوب؟ وهل المطلوب هو إنجاز مشاريع مكتملة الوظائف أم الاكتفاء بإنجاز الجزء الذي يظهر للعين؟ أسئلة يطرحها المواطن البسيط كل يوم، وهو يتابع الملايين تُصرف على التهيئة، بينما تظل حاجيات أخرى تنتظر دورها منذ سنوات.
المراكشي لا يرفض إعادة تأهيل الشوارع، ولا يعارض تحسين صورة مدينته، بل على العكس، يفخر بكل مشروع يرفع من مكانة مراكش. لكنه يتساءل، وبحق: ماذا بعد الإسفلت والأرصفة؟ ماذا بعد التشجير والطلاء؟ متى سننتقل من تزيين المدينة إلى بناء مدينة متكاملة؟ مدينة توفر المتنفس، والترفيه، وفرص الشغل، وجودة الحياة. فمراكش ليست مجرد بطاقة بريدية جميلة للسياح، بل هي قبل كل شيء مدينة يعيش فيها مواطنون ينتظرون مشاريع تجعلهم يشعرون بأنهم هم أيضاً جزء من الأولويات، لا مجرد خلفية لصورة جميلة تُلتقط في شارع أعيدت تهيئته.