الحلقة الثانية: صعصع "الموظف الشبح".. الانتهازي الذي حوّل الوظيفة العمومية إلى "ريع دائم"
بقلم : مراد العطشان
نتابع معكم في "كشكول" سلسلتنا النقدية لتشريح مَظاهر التسيّب والانتهازية التي تعطل مصالح العباد وتُهدر زمن المرفق العام. واليوم، نضع فوق "كرسي الاعتراف" الساخن شخصيةً لطالما استنزفت ميزانيات الدولة وأرهقت أعصاب المواطنين؛ إنه صعصع "الموظف الشبح" أو كما يُلقبه المتضرّرون بـ "مول الكونجي الأبدي". وكما استقرت عليه مبادئ هذه السلسلة، فإننا لا نعمم ولا نبخس الشرفاء حقوقهم؛ فالحديث هنا ليس عن الموظف النزيه الكادح الذي يفني عمره وراء مكتبه لخدمة المرتفقين بابتسامة وضبط نفس، بل عن ذلك الكائن الذي جعل من منصبه وسيلة للاستغناء بلا أدنى جهد ملموس.
تبدأ مغامرة صعصع "الشبح" مع الساعات الأولى للدوام بطقوس تضليلية غاية في الدهاء البيروقراطي. يحضر في الصباح الباكر، ليس ليمارس مهامه، بل ليترك "أثراً ماديًا" يوهم الجميع بوجوده؛ يعلّق معطفه بعناية خلف الكرسي الفارغ، يضع نظارته الاحتياطية فوق بضع أوراق مبعثرة، ويترك فنجان قهوة ساخن يتبخر فوق المكتب، ثم يختفي في لمح البصر! مغامرته الكبرى تكمن في قضاء يومه كاملاً خارج أسوار الإدارة—إما لإدارة مشاريعه الخاصة أو لتزجية الوقت في المقاهي—بينما يظل مكتبه "مفتوحاً سرابياً" يوحي لزملائه وللمواطنين بأنه "في اجتماع طارئ مع رئيس القسم" أو "خرج لقضاء غرض إداري مستعجل وسيعود بعد قليل".
حين يشتد زحام المواطنين وتتراكم وثائقهم المستعجلة التي تتوقف عليها مصائرهم، تبرز الأفعال البائسة لـ "الصعصعة" الإدارية. إذا صدف والتقى به مواطن يحمل ملفاً في ممرات الإدارة، يمارس صعصع "فعل الصدّ والهروب" بدم بارد. ينظر إلى الساعة بتأفف، ويمسك بهاتفه مدعياً انشغالاً خطيراً، ثم يطلق رصاصته البيروقراطية الشهيرة: "السيستم واقف اليوم، عُد غداً!" أو "المسؤول عن التوقيع في رخصة مرضية". يتعمد صعصع تعقيد المساطر البسيطة وتعطيل الإجراءات، مستمتعاً بفرض سلطته الوهمية على المرتفقين، ومحولاً حاجة المواطن لورقة إدارية بسيطة إلى رحلة عذاب يومية لا تنتهي.
أما عن تلاعبه الأسبوعي بالوقت، فصعصع يمتلك خطة استراتيجية ليوم الجمعة تكشف عن ذروة نفاقه وانتهازيته. فمع حلول الساعة الحادية عشرة صباحاً، يبدأ بالتململ وجمع أشيائه معلناً بوقار مصطنع أنه خارج "للاستعداد لصلاة الجمعة". المفارقة الصادمة أنه لا يصليها أصلاً، ولا تطأ قدماه المسجد؛ بل يتخذ من "الفريضة" مجرد ذريعة وغطاء ديني للإفلات من العمل مبكراً. هكذا، يضرب عصفورين بحجر واحد: يهرب من النصف الثاني ليوم الجمعة، ليضمه بذكاء إلى يومي السبت والأحد، مستفيداً من عطلة أسبوعية "ممددة" ومدفوعة الأجر بالكامل، بينما تظل مصالح المواطنين معلقة في ركام الانتظار.
يجلس صعصع "الموظف الشبح" اليوم وجهاً لوجه معنا فوق كرسي الاعتراف. وبدلاً من أن يخجل من كرسيه الفارغ الموثق في شكاوى المواطنين، يواجهنا ببرود شديد وغطرسة مغلّفة بـ "المظلومية". يتحجج بـ "ضعف الرواتب"، و"غياب التحفيز"، ويلقي باللوم على "المنظومة" برمتها لتبرير تملصه، متناسياً أن أكل أموال الناس بالباطل وتعطيل مصالحهم هو خيانة للأمانة. نتركه يتحدث ونعرض حججه الواهية أمام القراء، لنؤكد أن إصلاح المجتمع يبدأ أولاً بتطهير المرفق العام من أشباح الانتهازية.
نجدد التذكير بأن أي تشابه أو تطابق في هذه الحلقة مع أشخاص في الواقع أو إدارات بعينها هو محض صدفة صِرْفة؛ فـ "صعصع" هو مجرد نموذج مجهري لتشريح ظواهر التسيب في بعض إداراتنا. انتظرونا في حلقة جديدة، وقناع جديد، وشخصية أخرى من خبايا "الصعصعة"...