لكل مرحلة تاريخية أسئلتها ونخبها. ومنذ الاستقلال، لم تبق الحياة السياسية المغربية على شكل واحد، بل انتقلت من جيل ارتبط بمعركة الاستقلال وبناء الدولة، إلى جيل ارتبط بالمعارضة والتعددية، ثم إلى أجيال وجدت نفسها أمام مسؤولية تدبير المؤسسات والاقتصاد والمجتمع. واليوم، ومع اقتراب المغرب من مرحلة جديدة، يبدو السؤال أكثر ارتباطاً بنوعية النخب التي تستطيع الجمع بين السياسة والاقتصاد والتنمية والعدالة الاجتماعية.
في عهد الملك محمد الخامس، ارتبط جزء كبير من النخبة السياسية بالحركة الوطنية ومعركة الاستقلال، وكانت الأولوية تتمثل في بناء الدولة وترسيخ مؤسساتها في مرحلة ما بعد الحماية. وكانت السياسة آنذاك مرتبطة بشكل مباشر بأسئلة السيادة والاستقلال وبناء المؤسسات الوطنية.
ومع عهد الملك الحسن الثاني، دخل المغرب مرحلة سياسية مختلفة، اتسمت بتوترات وصراعات سياسية بين الدولة والمعارضة، قبل أن تتطور الحياة الحزبية تدريجياً نحو مزيد من التعددية والمشاركة المؤسساتية. وبرز خلال هذه المرحلة جيل سياسي تشكل في المعارضة، وخاض تجارب طويلة في العمل الحزبي والنقابي والبرلماني.
ثم جاءت محطة 1998، مع وصول عبد الرحمن اليوسفي إلى رئاسة الحكومة، في سياق سياسي عُرف بحكومة التناوب. وشكلت هذه المرحلة انتقالاً مهماً بالنسبة إلى جزء من النخب التي انتقلت من موقع المعارضة إلى موقع المشاركة في تدبير الحكومة ومؤسسات الدولة.
ومع اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، دخل المغرب مرحلة جديدة حملت معها تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية متسارعة. وفي هذا السياق ظهرت أيضاً أحزاب سياسية جديدة، من بينها حزب الأصالة والمعاصرة الذي تأسس سنة 2008، إلى جانب استمرار الأحزاب التاريخية في المشهد السياسي.
لكن سنة 2011 لا يمكن أن تمر في هذا المسار مروراً عابراً. فقد شكل اعتماد دستور جديد محطة سياسية ومؤسساتية مهمة، وجاء في سياق إقليمي عرف احتجاجات وتحولات واسعة. وبعد الانتخابات التشريعية لذلك العام، انتقل حزب العدالة والتنمية إلى قيادة الحكومة، وتولى عبد الإله بنكيران رئاسة الحكومة، ثم خلفه سعد الدين العثماني سنة 2017 إلى غاية 2021. وهكذا دخلت نخبة ذات مرجعية إسلامية إلى تجربة حكومية امتدت لنحو عقد، وانتقلت من موقع العمل السياسي والمعارضة إلى موقع تحمل مسؤولية التدبير الحكومي.
وتكمن أهمية هذه المرحلة في أنها وسعت معنى «النخبة السياسية»، بعدما أصبح على الفاعل الحزبي أن يتعامل مع ملفات الاقتصاد والاستثمار والمالية العمومية والتشغيل والسياسات الاجتماعية، وليس فقط مع الخطاب السياسي والتنظيم الحزبي. كما أعادت هذه التجربة طرح سؤال العلاقة بين المرجعية السياسية والقدرة على إدارة الدولة وتعقيدات الاقتصاد والمجتمع.
لكن اختزال المرحلة المقبلة في البحث عن «سياسي تكنوقراطي» سيكون بدوره تبسيطاً للمسألة. فالسياسي ليس مديراً تنفيذياً لشركة، والدولة ليست مقاولة هدفها الوحيد تحقيق مؤشرات اقتصادية. السياسة تحتاج إلى فهم الاقتصاد، لكنها تحتاج أيضاً إلى القدرة على الوساطة بين المصالح المختلفة، وفهم المجتمع، والاستماع إلى المواطنين، والتعامل مع التفاوتات الاجتماعية والمجالية، وتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
وهنا يمكن فهم التحول الذي عرفته الأحزاب المغربية بشكل أوسع. فالنخبة السياسية لم تعد مطالبة فقط بإتقان الخطاب السياسي أو إدارة التنظيمات الحزبية، وإنما أصبحت مطالبة بفهم الملفات الاقتصادية الكبرى، ومواكبة الاستثمار، واستيعاب التحولات الاجتماعية، والتعامل مع عالم يتغير بسرعة.
المغرب اليوم يملك إمكانات اقتصادية ومؤسساتية مهمة، من البنية التحتية والصناعة والسياحة إلى الطاقات المتجددة والاقتصاد الرقمي والاستثمار. لكن وجود هذه الإمكانات لا يعني تلقائياً تحويلها إلى فرص شغل وإنتاج وثروة موزعة بشكل متوازن.
وهذا يعني أن الجيل السياسي المقبل لن يكون مطالباً فقط بأن يعرف كيف يدير مؤسسة أو وزارة، وإنما بأن يفهم كيف يتحرك الاقتصاد داخل المجتمع، وكيف يمكن تحويل المشاريع والاستثمارات إلى قيمة مضافة وفرص عمل، مع الحفاظ على البعد الاجتماعي والمجالي للتنمية.
ومن هنا يصبح تجديد النخب قضية تتجاوز تغيير الوجوه. فالمطلوب هو تجديد في أدوات التفكير، وفي القدرة على فهم الاقتصاد والمجتمع، وفي طريقة صناعة السياسات العمومية، وفي العلاقة بين الأحزاب والمواطنين.
لقد تغيرت أسئلة المغرب منذ الاستقلال. كانت الأولوية في البداية للسيادة وبناء الدولة، ثم أصبحت أسئلة المعارضة والتعددية والإصلاح السياسي أكثر حضوراً، قبل أن تفرض مرحلة التناوب والتجارب الحكومية أسئلة جديدة مرتبطة بالتدبير والمسؤولية. وبعد 2011، ازدادت الحاجة إلى الجمع بين السياسة والحكامة والاقتصاد والعدالة الاجتماعية.
اليوم، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على سؤال آخر: هل تستطيع الأحزاب المغربية أن تنتج نخبة تجمع بين السياسة والاقتصاد، وبين الكفاءة والقدرة على الوساطة الاجتماعية، وبين التنمية والعدالة المجالية والاجتماعية؟
فالمغرب لا يحتاج إلى القطيعة مع أجياله السياسية السابقة، كما لا يحتاج إلى إعادة إنتاجها بالطريقة نفسها. المطلوب هو تحويل التراكم الذي صنعته هذه الأجيال إلى قدرة جديدة على مواجهة أسئلة المستقبل: اقتصاد أكثر إنتاجاً، استثمار أكثر نجاعة، فرص شغل أوسع، وتنمية لا تترك العدالة الاجتماعية والمجالية خارج الحساب. وربما هنا تحديداً ستظهر وظيفة الجيل السياسي المقبل: ليس فقط أن يحكم، وإنما أن يعرف ماذا يريد أن يبني، ولمن، وبأي أدوات، وبأي نتائج.