بمناسبة اليوم العالمي للوقاية من الانتحار — 10 شتنبر
إعداد وتحرير: إبراهيم باعزيز
بمساهمة: الدكتورة هند الكرماعي خليل
من الصعب أن نتخيل أن الشخص الذي نراه كل يوم، ونتحدث معه ونضحك إلى جانبه، ونراه يذهب إلى عمله أو دراسته وكأن الأمور تسير بشكل طبيعي، قد يكون في داخله إنسان آخر يخوض معركة صامتة لا نعرف عنها شيئاً.
لكن الحقيقة الأكثر إيلاماً في قضية الانتحار هي أن المعاناة لا تظهر دائماً على الوجه.
قد يبدو الإنسان بخير، بينما يخفي وراء صمته أو ضحكته ألماً متراكماً. وقد يرغب في أن يقول: «عاونوني»، لكنه لا يعرف كيف، أو لا يستطيع أن يحول ما يشعر به إلى كلمات.
هذه المسافة بين ما نراه وما يعيشه الآخر في داخله، هي إحدى النقاط التي تضيء عليها الدكتورة هند الكرماعي خليل في حديثها عن الوقاية من الانتحار، مؤكدة أهمية الانتباه إلى من حولنا، والاستماع إلى الشخص الذي قد يخوض معركة صامتة لا تظهر دائماً على ملامحه.
ليس كل من يعاني يبدو مريضاً
الانتحار لا يرتبط بالضرورة بصورة واحدة أو بسبب واحد.
قد يمر الإنسان باكتئاب، أو بأزمة، أو بصدمة، أو بفقدان، أو بإدمان، أو بضغوطات الحياة التي تتراكم إلى أن يصل في مرحلة معينة إلى الإحساس بأنه لم يعد قادراً على الاحتمال.
ولهذا، فإن القول: «مستحيل، راه كان كيهضر معايا البارح وكان كيضحك» لا يثبت أن الإنسان كان بخير.
فالحديث والضحك والعمل والدراسة لا تعني بالضرورة غياب الألم.
وقد تكون هناك إشارات صغيرة، لكنها مهمة، تستحق أن ننتبه إليها: شخص أصبح أكثر عزلة، أو فقد الاهتمام بأشياء كان يحبها، أو تغيرت طريقته في التعامل، أو بدأ يتحدث عن اليأس أو الموت، أو ظهرت عليه تصرفات وسلوكات غير معتادة.
لا تعني هذه العلامات وحدها أن الشخص يفكر في الانتحار، لكنها قد تكون سبباً كافياً كي نتوقف عن المرور بجانبه وكأن شيئاً لم يتغير.
أحياناً، الوقاية تبدأ بالاقتراب
في مجتمع يزداد فيه الشعور بالعزلة، قد نكون قريبين من بعضنا جسدياً وبعيدين عن بعضنا إنسانياً.
قد نعيش في البيت نفسه ولا نعرف ماذا يحدث في داخل شخص يجلس معنا كل يوم.
وقد نلتقي بالصديق نفسه باستمرار، دون أن نسأله مرة واحدة عن حاله الحقيقي.
هنا يصبح السؤال البسيط ذا قيمة كبيرة:
«آش عندك؟»
ثم:
«واش نتا بخير؟»
ليس المطلوب أن نملك حلولاً جاهزة. وليس المطلوب أن نتحول إلى أطباء أو أخصائيين نفسيين.
أحياناً، المطلوب فقط أن نعطي الإنسان وقتنا، وأن نستمع إليه فعلاً، بلا لوم، بلا سخرية، وبلا تحقير للألم الذي يعيشه.
لا تقل له: «كاين اللي عندو أكثر منك»
حين يفتح شخص باب معاناته، فإن آخر ما يحتاج إليه هو أن يشعر بأن ألمه غير مهم.
«راك غير كتفشش».
«كاين اللي عندو مشاكل أكثر منك».
«قوي إيمانك وصافي».
عبارات قد تبدو للبعض بسيطة أو حتى بدافع النصح، لكنها قد تجعل الشخص يشعر بأنه غير مفهوم، أو أنه مطالب بإخفاء ألمه بدل الحديث عنه.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول الحديث عن الوقاية إلى تحميل الشخص الذي يعاني مسؤولية ما يعيشه، أو إشعاره بأنه أخطأ لأنه لم يستطع تجاوز ألمه. فالشخص الذي يصل إلى مرحلة التفكير في الانتحار يحتاج أولاً إلى أن يجد من يفهمه ويأخذ معاناته بجدية.
الاستماع لا يعني الموافقة على كل شيء، ولا يعني تقديم حلول سريعة.
الاستماع يعني أن تقول للآخر، بطريقة إنسانية: أنا هنا، وكنسمع ليك.
خلف كل رقم.. إنسان
في كل عام، يفقد أكثر من 720 ألف شخص حياتهم بسبب الانتحار حول العالم، ويُعد الانتحار من أبرز أسباب الوفاة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً.
لكن في اليوم العالمي للوقاية من الانتحار، لا ينبغي أن نتعامل مع هذه الأرقام باعتبارها مجرد إحصاءات.
لأن وراء كل رقم شخصاً.
وخلف كل شخص عائلة، وأصدقاء، وذكريات، وأسئلة ستبقى معلقة بعد رحيله.
السؤال ليس فقط: كم شخصاً فقدنا؟
بل أيضاً: كم شخصاً ما زال بيننا ويحتاج إلى أن نراه قبل أن يصبح رقماً جديداً؟
عندما يتحدث عن الموت.. لا تستهِن
إذا تحدث شخص عن أفكار الانتحار أو عن رغبته في الموت، فلا ينبغي أن نعتبر كلامه مجرد مبالغة أو محاولة لجذب الانتباه.
يجب أن نأخذ كلامه بجدية، وأن نحرص على ألا يبقى وحيداً إذا كان هناك خطر مباشر، وأن نساعده على الوصول إلى مساعدة متخصصة، مع إشراك شخص موثوق أو الجهات المختصة عند الحاجة.
والأهم أن الإشارة لا ينبغي أن تمر مرور الكرام. فالأفكار الانتحارية أو محاولات إيذاء النفس ليست بالضرورة لحظة عابرة يمكن تجاهلها؛ وقد تتكرر لدى بعض الأشخاص قبل الوصول إلى محاولة انتحار قاتلة. لذلك، فإن ظهور هذه الإشارات يستدعي الانتباه والتدخل وطلب المساعدة المتخصصة، لا الانتظار حتى يصبح الخطر واقعاً.
فالوقاية لا تعني أن نحمل الأزمة وحدنا، وإنما أن نكون حلقة وصل بين الشخص الذي يعاني والمساعدة التي يحتاج إليها.
حين تصبح «الحشومة» حاجزاً أمام النجاة
الصحة النفسية ما زالت، في مجتمعات كثيرة، محاطة بكثير من الأحكام.
العيب.
الحشومة.
«شنو غادي يقولو الناس؟»
لكن الإنسان الذي يتألم لا يحتاج إلى مزيد من الخوف.
يحتاج إلى مساحة يستطيع فيها أن يقول إنه ليس بخير، دون أن يشعر بأنه سيُحاكم بسبب ذلك.
ولهذا، فإن تغيير الطريقة التي نتحدث بها عن الصحة النفسية والانتحار ليس مجرد تغيير في الكلمات، بل محاولة لكسر الصمت الذي قد يمنع شخصاً من طلب المساعدة.
في اليوم العالمي للوقاية من الانتحار.. لنبدأ بالسؤال
الوقاية من الانتحار لا تبدأ دائماً من خطوة كبيرة.
قد تبدأ من شخص لاحظ أن صديقه تغير.
من أم انتبهت إلى عزلة ابنها.
من زميل لم يكتفِ بعبارة «لاباس؟»، بل توقف وانتظر الجواب.
ومن إنسان قرر، بدل أن يبتعد، أن يقترب ويسأل:
«آش عندك؟»
ثم يصغي.
وفي هذه الذكرى العالمية للوقاية من الانتحار، ربما تكون رسالتنا الأهم بسيطة، لكنها ليست سهلة:
لا تنتظر أن يطلب منك الشخص المساعدة بالطريقة التي تتوقعها. انتبه. اقترب. اسأل. استمع. ولا تستهِن بما يقوله لك.
فقد لا نستطيع أن نحل كل ألم، ولا أن نعرف كل ما يخفيه الآخرون خلف ابتساماتهم.
لكننا نستطيع أن نكون الشخص الذي لم يمرّ بجانب الألم دون أن يراه.
واش نتا بخير؟