Preloader Image
news خبر عاجل
clock
حين تتحول الصورة إلى سلاح ضد الوطن.. هل أخطأت بعض المنابر الإعلامية في طريقة تغطية أحداث الفنيدق؟

حين تتحول الصورة إلى سلاح ضد الوطن.. هل أخطأت بعض المنابر الإعلامية في طريقة تغطية أحداث الفنيدق؟

(ع.س)

ليست كل معركة تُخاض بالسلاح، فبعض المعارك تُدار بالكلمة، وأخرى بالصورة. وفي زمن الإعلام الرقمي، قد يصبح مقطع فيديو لا تتجاوز مدته ثوانٍ معدودة أكثر تأثيرًا من عشرات البيانات والتقارير، لأنه ينتشر بسرعة، ويُقتطع من سياقه، ويُعاد توظيفه وفق أجندات لا علاقة لها بالحقيقة. ومن هذا المنطلق، تفرض الأحداث التي شهدتها مدينة الفنيدق ومحيط معبر باب سبتة، وما رافقها من محاولات للهجرة غير النظامية، نقاشًا مهنيًا هادئًا حول طبيعة التغطية الإعلامية، وحدود المسؤولية التي يتحملها الصحفي وهو ينقل حدثًا محليًا قد يتحول، في لحظات، إلى مادة تستغل خارج الحدود.


فالصحافة المغربية لم تكن يومًا مطالبة بإخفاء الواقع أو تجميله، كما أنها ليست مطالبة بالدفاع عن الحكومات أو تبرير اختياراتها. بل إن من صميم رسالتها مساءلة السياسات العمومية، وكشف مكامن الخلل، وطرح الأسئلة التي تهم الرأي العام. غير أن الفرق كبير بين صحافة تحلل الظواهر وتناقش أسبابها، وصحافة تكتفي بإغراق الفضاء الرقمي بمشاهد صادمة دون تقديم السياق الكامل. فكان بالإمكان أن تتحول أحداث الفنيدق إلى مناسبة لفتح نقاش عميق حول السياسات المرتبطة بالشباب والتشغيل والتنمية المجالية والإدماج الاجتماعي، وتقييم حصيلة الحكومات المتعاقبة في هذه الملفات، بدل أن ينحصر الاهتمام في صور محاولات العبور وما رافقها من مشاهد أثارت جدلًا واسعًا داخل المغرب وخارجه.


والأخطر من ذلك أن التجارب أثبتت، في أكثر من مناسبة، أن بعض المنصات والوسائل الإعلامية الأجنبية التي تتبنى خطابًا معاديًا للمغرب، أو التي تبحث عن كل ما يسيء إلى صورته، سارعت إلى إعادة نشر مقاطع فيديو وصور التقطت من داخل البلاد أو نشرتها منابر إعلامية مغربية، بعد إخراجها من سياقها أو تقديمها بصورة انتقائية، لتضمينها في تقارير وبرامج حاولت رسم صورة قاتمة عن المملكة، وكأن تلك المشاهد تمثل الواقع المغربي بأكمله. وهنا يبرز سؤال مهني لا ينبغي تجاهله: هل يدرك الإعلام، وهو ينشر مثل هذه المواد، أن ما يخرج من منصاته قد يتحول في لحظات إلى مادة دعائية تستغلها أطراف أخرى للإساءة إلى البلاد؟ وهل أصبح التفكير في مآلات الصورة جزءًا من أخلاقيات العمل الصحفي، أم أن هاجس السبق وعدد المشاهدات طغى على كل اعتبار آخر؟


وعندما ننظر إلى تجارب عدد من الدول، نجد أن كثيرًا من وسائل الإعلام تمارس أقسى أنواع النقد تجاه حكوماتها، لكنها في الوقت نفسه تحرص على تقديم الأحداث في سياقها الكامل، فلا تختزل أوطانها في الأزمات، ولا تجعل من الحالات الاستثنائية عنوانًا دائمًا لواقع البلد. فهي تنتقد المسؤول، وتكشف الاختلال، وتطالب بالإصلاح، لكنها لا تمنح، عن غير قصد، مادة جاهزة لمن يسعى إلى تشويه صورة وطنها. وهذا لا يعني التعتيم أو الرقابة، وإنما يعني إدراك أن الصحافة الحرة والمسؤولة قادرة على الجمع بين النقد الصريح والحفاظ على المصلحة العامة، لأن قوة الإعلام لا تُقاس بكمية المشاهد المثيرة، بل بقدرته على إنتاج وعي حقيقي يقود إلى الإصلاح.


إن المغرب اليوم بحاجة إلى صحافة قوية، مستقلة، واثقة من رسالتها، تضع المواطن في صلب اهتماماتها، وتراقب أداء الحكومات دون تردد، وتنتقد السياسات العمومية بجرأة ومسؤولية، لكنها في الوقت نفسه تستحضر أن الصورة والكلمة أصبحتا جزءًا من معركة التأثير الدولي. فحين تتحول بعض المشاهد المحلية إلى مادة توظفها جهات خارجية في حملات تستهدف صورة المملكة، يصبح من المشروع أن يفتح الجسم الإعلامي نقاشًا مهنيًا حول أساليب التغطية، ليس من أجل تقليص مساحة الحرية، وإنما من أجل الارتقاء بالممارسة الصحفية، حتى تظل الصحافة سلطةً تراقب وتنتقد وتقترح الحلول، دون أن تفقد وعيها بأن الوطن هو الإطار الذي يمنح الجميع حق الاختلاف وحرية التعبير، وأن صون صورته مسؤولية جماعية لا تتعارض مع نقل الحقيقة، بل تبدأ من تقديمها كاملة، بدقة، وعمق، ومسؤولية.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات