يشكل قطاع النقل السياحي ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني والشريان الحيوي الذي يدعم دينامية السياحة المغربية وجلب العملة الصعبة، غير أنه يواجه اليوم أزمة خانقة تقوض استمراريته عنوانها الأبرز الارتفاع الجنوني والمتسارع لأسعار المحروقات. ولم تعد هذه الزيادات مجرد تقلبات سوقية عابرة أو أرقاماً تضاف إلى فاتورة الطاقة، بل تحولت إلى تحدٍ وجودي وعبء ثقيل يستنزف ميزانية المقاولات ويهدد بانهيار منظومة النقل بأكملها في ظل تلويح المعطيات بإمكانية تسجيل زيادات إضافية قد تصل إلى درهمين للتر الواحد من الغازوال والبنزين.
وتكمن خصوصية قطاع النقل السياحي في طبيعته الموسמית التي ترتبط مداخيله بفترات محدودة من السنة، بينما تستمر التزاماته المالية طيلة أشهر السنة دون انقطاع ودون القدرة على مراجعة الأسعار. وتجد أغلب الشركات نفسها عاجزة عن نقل الزيادات المتتالية للزبون أو الشريك التجاري بعد إتمام التعاقدات المسبقة مع وكالات الأسفار، لتتحمل المقاولة وحدها كلفة كل ارتفاع، مما يؤدي إلى تآكل حاد في هوامش الربح وإحداث اختلال مالي مباشر يهدد قدرتها على الاستمرار والوفاء بالتزاماتها تجاه الأبناك والضرائب والضمان الاجتماعي.
وما يزيد الوضع تعقيدا هو أن هذه المقاولات النظامية تواجه منافسة غير تكافئة من ممارسات النقل غير القانوني وبعض التطبيقات التي تشتغل خارج الإطار المنظم دون تحمل أي التزامات جبائية أو اجتماعية. ومن الصعب جداً الحديث عن اقتصاد تنافسي أو بيئة استثمارية سليمة في ظل غياب العدالة المهنية وتفاوت شروط المنافسة، مما ينذر بتعريض استثمارات ضخمة بملايين الدراهم للضياع ويهدد آلاف مناصب الشغل المرتبطة بالقطاع السياحي.
إن حماية النقل السياحي ليست مطلبا فئويا ضيقا، بل هي خيار استراتيجي يرتبط بمستقبل السياحة الوطنية وتُنذر بتأثيرات سلبية على صورة المغرب كوجهة تستضيف تظاهرات كبرى وتستقطب ملايين السياح. ومن هذا المنطلق، يشدد الفاعلون المهنيون والفيدرالية الوطنية للنقل السياحي على ضرورة إرساء عدالة مهنية في أي برنامج لدعم المحروقات، مع إطلاق برنامج دعم حقيقي ومسؤول يخفف الأعباء الجبائية، وفرض احترام القانون ومحاربة جميع أشكال النقل غير المشروع لحماية المنافسة الشريفة.
لا يطلب النقل السياحي امتيازات أو معاملة تفضيلية، بل يطالب ببيئة عادلة تضمن تكافؤ الفرص وتدعم الاستثمار المنتج وحين تتجاوز الزيادات حدود الاحتمال يصبح التدخل المسؤول ضرورة وطنية لا مفر منها. إن إنقاذ النقل السياحي اليوم هو دفاع حقيقي عن الاستثمار الوطني وعن مناصب الشغل، وضمانة أساسية لاستدامة القطاع السياحي كأحد أهم روافد التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب.