مراكش.. مدينة النخيل أم مدينة اللواقط الهوائية؟ ما مبررات هذه الكثافة؟ تساؤلات حول معايير التوزيع والاختيارات التقنية
لم تعد لواقط الاتصالات في مراكش مجرد تجهيزات تقنية موزعة فوق أسطح المباني أو مموهة في أشكال تحاكي أشجار النخيل، بل أصبح حضورها المتكرر في المشهد الحضري يطرح تساؤلات تستحق التوضيح حول كثافتها وانتشارها داخل المدينة. وعلى امتداد شارع علال الفاسي ومحاور أخرى، يبرز سؤال جوهري: هل يتعلق الأمر بتوزيع تفرضه الضرورات التقنية لشبكات الاتصالات، أم أن كثافة هذه التجهيزات وتباعد مواقعها أو تقاربها يحتاجان إلى تفسير واضح؟ وهل يمكن الحديث عن تخطيط متكامل لتوزيعها، أم أن الصورة التي تقدمها الشوارع تستدعي توضيحات بشأن المعايير المعتمدة في اختيار مواقعها؟
وإذا كانت هذه التجهيزات جزءاً أساسياً من البنية التحتية للاتصالات الحديثة، فإن ذلك لا يلغي مشروعية التساؤل عن أسباب انتشارها بهذا الشكل داخل المجال الحضري. فما المعايير التقنية التي تحدد المسافة بين لاقط وآخر؟ وهل يفرض اختلاف طبيعة الأحياء والمباني وحاجيات التغطية هذا الحضور المتكرر؟ ثم هل توجد معطيات كافية تتيح فهم العلاقة بين عدد هذه التجهيزات والحاجة الفعلية إلى تحسين جودة الشبكات؟ إنها أسئلة لا تفترض وجود خلل، لكنها تضع منطق توزيع هذه المنشآت أمام ضرورة التوضيح.
ولا يقف النقاش عند حدود المشهد البصري أو الانطباع الذي قد تتركه كثرة اللواقط لدى السكان، بل يمتد إلى التساؤل عن المعطيات التقنية المرتبطة بسلامة التعرض للموجات الكهرومغناطيسية. فهل تخضع المواقع المعنية للقياسات والمراقبة وفق المعايير المعمول بها؟ وهل تتوفر نتائج ميدانية حديثة تسمح بتقييم مستويات التعرض الفعلية في محيطها؟ والأهم، كيف يمكن بناء نقاش موضوعي حول هذا الملف دون تهويل للمخاطر أو التقليل من أهمية حق السكان في الحصول على معلومات واضحة؟ فوجود اللاقط في حد ذاته لا يثبت وقوع ضرر صحي، مثلما أن غياب الدليل على الضرر في موقع بعينه لا يعفي من أهمية التحقق والشفافية.
وبين الصورة التي تقدمها مراكش باعتبارها مدينة النخيل، والمشهد الذي ترسمه تجهيزات الاتصالات فوق المباني وفي الفضاءات الحضرية، يبرز سؤال يستحق أن يتجاوز حدود الملاحظة العابرة: هل أصبحت كثافة اللواقط الهوائية في بعض شوارع المدينة أمراً تفرضه متطلبات الشبكات الحديثة، أم أن الأمر يحتاج إلى توضيح أكبر بشأن التخطيط والتوزيع والمراقبة؟ وهل يكفي أن تتخذ بعض هذه المنشآت شكل النخيل حتى تنسجم بصرياً مع هوية المدينة، أم أن الانسجام الحقيقي يقتضي أيضاً وضوحاً في المعايير والمعطيات؟ قد يكون وصف مراكش بـ«مدينة اللواقط الهوائية» مبالغة ساخرة، لكنه يختصر سؤالاً حضرياً مشروعاً: من حق المدينة أن تستفيد من أحدث تقنيات الاتصال، ومن حق سكانها أيضاً أن يفهموا الأسس التي تحكم انتشار تجهيزاتها داخل أحيائهم وشوارعهم.