عبد القادر الخراز.. حين يتحول التقاعد إلى رسالة توعوية: كيف كرس رجل الأمن خبرته لترسيخ شعار «الجريمة لا تفيد»؟
إبراهيم باعزيز
لم يكن تقاعد عبد القادر الخراز نهاية لمسار مهني قضاه في مواجهة الجريمة، بقدر ما شكّل بداية فصل مختلف من علاقته بها؛ فبعد سنوات من العمل الأمني، انتقل الرجل من تدبير الوقائع في الميدان إلى روايتها أمام جمهور واسع، مستثمراً خبرته في تقديم حكايات تستعيد تفاصيل قضايا جنائية، وتفتح نافذة على أساليب المحتالين والمجرمين، في زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية قادرة على تحويل تجربة رجل أمن متقاعد إلى مادة يتداولها الملايين.
وبين لغة المحاضر الأمنية ودفء الحكاية الشعبية، وجد الخراز أسلوباً خاصاً في التواصل مع الجمهور، مستعيناً بالدارجة المغربية وبطريقة سرد تمزج بين التشويق واستحضار التفاصيل. لم يعد المشاهد يتلقى خبراً مقتضباً عن جريمة وقعت وانتهت، بل يتابع خيوط الواقعة، ويتعرف إلى طريقة الاستدراج أو الاحتيال، ويقترب من بعض التفاصيل التي قد تساعده على فهم كيف يفكر المجرم، وكيف يمكن أن تتحول الثقة أو الطمع أو التسرع إلى مدخل للاستغلال.
هذه المعادلة بين الخبرة الأمنية والحكي المباشر ساعدت على بناء حضور رقمي لافت. ووفق بيانات إحصائية نشرها موقع «SpeakRJ» بشأن قناته على يوتيوب، بلغت القناة، في أرقام جرى رصدها خلال أكتوبر 2026، نحو 2.2 مليون مشترك، وأكثر من 728 مليون مشاهدة، مقابل مئات الفيديوهات المنشورة. وهي أرقام تعكس اتساع قاعدة المتابعة، وإن كانت لا تكفي وحدها لقياس حجم الأثر التوعوي أو إثبات أن المشاهدة تحولت فعلياً إلى سلوك أكثر حذراً.
«السماوي» و«الكنز».. حين تصبح الحكاية وسيلة للتحذير
ولعل سر هذا الحضور لا يرتبط بالموضوع وحده، بل بالطريقة التي يُقدَّم بها. فالخراز لا يتحدث دائماً بلغة رسمية تفصل المتلقي عن الواقعة، وإنما يستعين بتعابير متداولة وإيقاع سردي قريب من المجالس المغربية، يجعل الحكاية مفهومة حتى لمن لا يمتلك معرفة قانونية أو أمنية. وبين تفاصيل القضية وتعليقاته العابرة، تتحول بعض عباراته إلى علامات مميزة يتعرف إليها الجمهور، وفي مقدمتها «زيرناه»، التي تحمل في التداول الشعبي نبرة حاسمة، وكأنها إعلان عن لحظة انكشاف خيوط القضية.
لكن وراء الطابع الترفيهي الذي يرافق هذا النوع من المحتوى، تبرز وظيفة أكثر جدية: جعل أساليب الجريمة والاحتيال موضوعاً قابلاً للفهم والنقاش، بعيداً عن المصطلحات المعقدة. وقد سبق للخراز، في حوار نشرته «أنفاس بريس» سنة 2015 بشأن تجربة «مسرح الجريمة»، أن ربط هذا النوع من البرامج بدوره في توعية المواطنين ببعض أساليب النصب، ومن بينها ما يُعرف شعبياً بـ«السماوي» و«الكنز». ويظل هذا التقييم، في جانب منه، تعبيراً عن رؤيته لتجربته، لكنه يفتح الباب أمام سؤال جوهري: متى تتحول حكاية الجريمة من مجرد مادة مشوقة إلى معرفة قد تحمي المشاهد من الوقوع ضحية لها؟
تتضح القيمة العملية لهذا النوع من السرد عند التوقف عند أسلوب «السماوي»، الذي يقوم في صوره المعروفة على استدراج الضحية واستغلال ثقتها أو طمعها، قبل إقناعها بالتخلي عن مالها أو تسليم مقتنيات ثمينة تحت تأثير الخداع. فبدلاً من الاكتفاء بوصف الواقعة بعد وقوعها، يمكن للحكاية التوعوية أن تكشف مراحل الاستدراج، وتلفت الانتباه إلى الوعود غير المنطقية، والضغط النفسي، ومحاولات دفع الضحية إلى اتخاذ قرار سريع بعيداً عن التحقق والاستشارة. هنا يتحول السرد من مجرد استعادة لجريمة إلى تحذير عملي: عدم تسليم المال أو الممتلكات إلى غرباء بناءً على ادعاءات غامضة، وعدم الانسياق وراء وعود الربح السريع أو الحلول الخارقة، وطلب رأي شخص موثوق عند الشك. وهذا هو الجانب الأكثر فائدة في تناول أساليب الاحتيال؛ إذ يمنح المشاهد مؤشرات يمكنه التعرف إليها، من دون أن يعني ذلك أن الأثر الفعلي للبرنامج على سلوك الجمهور قد قيس بصورة مستقلة.
بين التشويق ومصداقية الوقائع.. الدقة شرط التوعية
غير أن الرهان على التوعية لا ينفصل عن مسؤولية الدقة. فحين تستند الحكاية إلى وقائع جنائية حقيقية، تصبح التفاصيل والتواريخ وتسلسل الأحداث عناصر أساسية، لا مجرد إضافات يمكن التساهل فيها من أجل التشويق. وقد أعادت تغطية إعلامية سنة 2020 تسليط الضوء على خلل زمني في إحدى الحلقات المرتبطة بقصة «ولد المضاربي»، بعدما بدا في السرد أن أحداثاً تعود إلى نحو عشر سنوات وقعت خلال فترة جائحة كورونا. ونُسب الخلل، وفق ما أوردته التغطية، إلى عملية المونتاج أو النشر وعدم تصحيح الخطأ قبل إخراج الحلقة.
ولا يلغي مثال من هذا النوع قيمة التجربة برمتها، لكنه يذكّر بأن الانتشار الواسع يرفع سقف المسؤولية أيضاً. فالمتلقي الذي يتابع قصة باعتبارها مستندة إلى خبرة رجل اشتغل في المجال الأمني، قد يتعامل مع تفاصيلها باعتبارها معلومات موثوقة، وهو ما يجعل التحقق من التسلسل الزمني والوقائع، والتمييز بين ما ثبت وما يظل مجرد رواية، جزءاً لا يتجزأ من الرسالة التوعوية نفسها. فالتشويق قد يجذب المشاهد، لكن الدقة هي ما يمنح الحكاية قيمتها ومصداقيتها.
من رواية الجرائم إلى الشاشة.. هل تتجاوز التجربة حدودها الأولى؟
وفي مسار موازٍ، بدأ حضور الخراز يتجاوز الشاشة الرقمية إلى المجال الفني، من خلال مشاركته في أعمال سينمائية، من بينها «Autisto» و«Jackpot». وفي تصريحات إعلامية، تحدث عن استعداده لخوض أدوار مختلفة، كما أشار إلى اشتغاله على كتابة سيناريو. ويكشف هذا التحول عن رغبة في استثمار حضوره الجماهيري خارج القالب الذي ارتبط به اسمه، وإن كان الانتقال من رواية الجرائم إلى التمثيل يطرح تحدياً مختلفاً يتعلق بمدى القدرة على بناء شخصية فنية مستقلة عن الصورة التي ألفها الجمهور.
بين رجل الأمن الذي راكم تجربة مهنية، والراوي الذي يستقطب ملايين المشاهدات، والمشارك في أعمال فنية، تتشكل تجربة الخراز عند تقاطع الأمن والإعلام والترفيه. غير أن نجاحها الأعمق لا يُختزل في أرقام المشاهدات، ولا في انتشار عبارة «زيرناه»، بل في قدرتها على جعل الجمهور أكثر انتباهاً إلى أساليب الاحتيال، وأكثر تشككاً في الوعود المغرية، وأشد حرصاً على التحقق قبل اتخاذ قرارات قد تكلفه ماله أو سلامته.
وهنا يكمن الفارق بين حكاية تُستهلك للتسلية وأخرى تترك أثراً يتجاوز لحظة المشاهدة. فالجريمة قد تصنع قصة مثيرة، وقد تتحول إلى مادة تجذب آلاف المتابعين، لكن الرسالة الأهم تظل في ما يتعلمه الجمهور منها. أما قياس مدى تحقق هذه الرسالة، فيحتاج إلى ما يتجاوز أرقام المشاهدات والانطباعات، ليصل إلى معطيات مستقلة تكشف إن كانت المعرفة التي يقدمها المحتوى قد انعكست فعلاً على سلوك المتلقين.
وبين خبرة الأمس وجمهور اليوم، يظل التحدي أمام عبد القادر الخراز هو الحفاظ على المعادلة التي صنعت حضوره: حكاية تشد الانتباه، ومعلومة تحترم الوقائع، ورسالة تضع التوعية قبل الإثارة. فحين تتحول تجربة رجل أمن متقاعد إلى مادة يتابعها الملايين، تصبح المسؤولية أكبر من مجرد رواية جريمة؛ إنها مسؤولية المساهمة في فهمها، والتنبه إلى مخاطرها، وترسيخ القناعة بأن الوقاية تبدأ أحياناً من حكاية، لكنها لا تكتمل إلا بالوعي والتحقق.