ابراهيم باعزيز
تستعد إيطاليا ليوم احتجاجي مشحون، اليوم السبت، بعدما رفعت السلطات مستوى التأهب الأمني في ثماني مدن، من بينها روما وميلانو، تحسباً لتجدد أعمال الشغب والنهب التي رافقت تظاهرات نهاية الأسبوع الماضي، وأثارت مخاوف بشأن اتساع رقعة الاضطرابات وانعكاساتها على الأمن العام والحياة التجارية.
وتأتي هذه التعبئة في سياق موجة من الاحتجاجات التي يقودها طلاب وسائقو شاحنات ومزارعون، على خلفية تخفيضات الميزانية وتزايد الضغوط المعيشية، خصوصاً ما يرتبط بارتفاع أسعار السكن والوقود. وبين المطالب الاجتماعية والاعتراضات على السياسات الحكومية، تتجه الأنظار إلى الشارع الإيطالي، حيث يُرتقب أن تختبر تحركات السبت قدرة السلطات على احتواء الاحتقان ومنع تكرار مشاهد الفوضى.
وفي العاصمة روما، أعلنت الشرطة اعتماد انتشار أمني مكثف، يشمل مراقبة ميدانية ورقمية واسعة، والاستعانة بطائرات مسيّرة ومروحيات لتتبع تطورات الاحتجاجات. وأكدت أن هذه التدابير تروم تأمين التجمعات، مع التشديد على أن حماية الحق في التعبير عن الرأي والاحتجاج، بما في ذلك إبداء المعارضة، تظل قائمة في إطار احترام القانون.
أما في ميلانو، فتستعد قوات إضافية من الجيش، التي أُرسلت عقب اضطرابات نهاية الأسبوع الماضي، لتعزيز الدوريات في وسط المدينة. واستبعد عمدة ميلانو، جوزيبي سالا، اتخاذ قرار بإغلاق المدينة، مؤكداً أن السلطات ستعمل على رفع مستوى الحضور الأمني مقارنة بما جرى خلال الاحتجاجات السابقة. وقال لإذاعة لومبارديا: «في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، لم نكن بالعدد الكافي. سنحاول ببساطة أن نكون موجودين بأعداد أكبر».
وتتجاوز تداعيات هذه المخاوف الجانب الأمني لتطال النشاط التجاري، بعدما تعرضت متاجر في ميلانو للنهب خلال الاضطرابات السابقة، فيما لجأ تجار آخرون إلى إغلاق محلاتهم أو إزالة السلع من واجهاتها تفادياً للخسائر. وفي هذا السياق، دعا سالا أصحاب المتاجر إلى إبقاء أبوابها مفتوحة اليوم السبت، في محاولة لتفادي شلل النشاط التجاري بفعل المخاوف من تجدد أعمال التخريب.
وتنظم مجموعة تطلق على نفسها اسم «حركة 17 أكتوبر» احتجاجات في ثماني مدن إيطالية، ابتداءً من الساعة 13:00 بتوقيت غرينتش. ووفقاً لما أعلنته المجموعة، ستشهد كل مدينة ثلاث مسيرات تلتقي في موقع واحد، لن يُكشف عنه إلا قبل نصف ساعة من موعد انطلاقها، وهو ما يضع الأجهزة الأمنية أمام تحدي مواكبة تحركات متعددة المسارات في وقت وجيز.
وبالتوازي مع هذه التعبئة، نظمت حركة مناهضة للحرب، تحمل اسم «المحور المناهض للإمبريالية»، مسيرة في روما، في وقت تتعدد فيه خلفيات التحركات الاحتجاجية بين مطالب اقتصادية واجتماعية ومواقف سياسية.
وعلى المستوى الحكومي، أقرت حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، خلال الأسبوع الجاري، مرسوماً أمنياً يتضمن تخفيف القواعد المتعلقة باحتجاز القاصرين، واستحداث جريمة «المشاركة العنيفة في التظاهرات»، إلى جانب فرض غرامات على أولياء الأمور عن الأضرار التي يتسبب فيها أبناؤهم خلال الاحتجاجات. وتأتي هذه الخطوات في سياق توجه نحو تشديد التدابير الرامية إلى الحد من أعمال العنف والتخريب، بالتزامن مع استمرار الاحتجاجات.
وفي إطار التحقيقات بشأن أحداث نهاية الأسبوع الماضي، أعلنت الشرطة، الجمعة، تنفيذ عشرات عمليات الدهم بحق أشخاص يُشتبه في تورطهم في أعمال النهب والشغب. وتأتي هذه العمليات عشية الاحتجاجات الجديدة، وسط مساعٍ لتحديد المسؤولين عن الاعتداءات السابقة والحد من احتمال تكرارها.
وفي المقابل، أقرت الحكومة تدابير لمساعدة سائقي الشاحنات والصيادين على مواجهة الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، بعدما تسببت احتجاجات سائقي الشاحنات في إغلاق طرق عدة بجنوب البلاد، ما أدى إلى شلل حركة النقل ونقص الوقود والمواد الغذائية لأيام. وقد فُتحت جميع الطرق التي أُغلقت باستخدام الشاحنات، غير أن تداعيات تلك التحركات أعادت إلى الواجهة حجم تأثير كلفة الطاقة في القطاعات المهنية والمعيشية.
وبين الاستنفار الأمني والإجراءات الحكومية الرامية إلى احتواء الغضب الاجتماعي، تتجه الأنظار إلى احتجاجات السبت، في ظل مخاوف من عودة مشاهد النهب والتخريب، مقابل إصرار السلطات على تأمين التجمعات والحفاظ على النظام العام. ويظل الاختبار الأبرز أمام الحكومة الإيطالية هو احتواء التصعيد، مع ضمان ممارسة الحق في الاحتجاج السلمي ومنع انزلاق الشارع مجدداً إلى أعمال العنف.