إبراهيم باعزيز
في سوق الفواكه، لكل نوع طريقته في لفت الانتباه؛ هناك من يعتمد على اللون، ومن يراهن على الرائحة، بينما يختار الخوخ الجمع بين المذاق الحلو واللبّ العصيري والقشرة المخملية. ومع حلول موسمه، يجد طريقه إلى سلال التسوق دون الحاجة إلى حملة إعلانية أو ناطق رسمي يشرح أسباب الإقبال عليه. لكن هذه الفاكهة التي قد تختفي من المائدة في دقائق، تستحق وقفة تتجاوز سؤالاً بسيطاً من قبيل: هل مذاقها وحده سر شعبيتها؟ فخلف حلاوتها، توجد معطيات غذائية تجعلها موضوعاً مناسباً للتحقيق، ولو أن الخوخ لم يكن يتوقع أن يجد نفسه يوماً أمام محكمة الصحة!
الأرقام أولاً: شهادة الماء والألياف
لنبدأ بالأرقام، فهي أقل ميلاً إلى المجاملة من بائع الفواكه. فبحسب بيانات غذائية مرجعية، تحتوي ثمرة خوخ متوسطة تزن نحو 150 غراماً على قرابة 59 سعرة حرارية، و2.3 غرام من الألياف، ونحو 133 غراماً من الماء، إضافة إلى حوالي 10 ملغ من فيتامين C، وكميات من البوتاسيوم ومركبات نباتية متنوعة. وتظل هذه القيم تقريبية، إذ تختلف باختلاف الصنف والحجم ودرجة النضج.
وتمنح هذه الأرقام الخوخ نقاطاً إيجابية في ملفه الغذائي؛ فالماء يساهم في ترطيب الجسم، والألياف تدعم عملية الهضم وانتظام حركة الأمعاء، فيما يساهم فيتامين C في وظائف حيوية، من بينها دعم الجهاز المناعي وتكوين الكولاجين. لكن لا داعي إلى الاحتفال بإعلان الخوخ بطلاً خارقاً؛ فثمرة واحدة لا توفر جميع احتياجات الجسم اليومية، ولا تستطيع أن تحل محل نظام غذائي متنوع. إنها فاكهة مفيدة، وليست وزارة للصحة داخل قشرة مخملية!
السكر المضاف.. الشريك الخفي في الجريمة
هنا تبدأ المفارقة التي تستحق الانتباه: الخوخ حلو المذاق، لكنه لا يحتاج بالضرورة إلى السكر المضاف كي يصبح قابلاً للاستهلاك. وتحتوي الثمرة المتوسطة على نحو 12 إلى 13 غراماً من السكريات الطبيعية، بحسب حجمها وبياناتها الغذائية.
المشكلة لا تكمن في هذه السكريات الموجودة طبيعياً داخل الفاكهة، بل في الطريقة التي قد يختار بها البعض تقديمها. فحين يتحول الخوخ إلى عصير محمّل بالسكر، يصبح من الضروري احتساب ما أُضيف إليه، لا الاكتفاء بسمعة الفاكهة الأصلية. كما أن تناول الثمرة كاملة يتيح الاستفادة من أليافها بصورة أفضل من العصير المصفّى.
بعبارة أخرى، دخل الخوخ المطبخ بملف غذائي مقبول، قبل أن يتدخل السكر ويحاول خطف الأضواء. وإذا انتهى الأمر بكأس مليء بالسكر المضاف، فلا ينبغي تحميل الخوخ وحده مسؤولية النتيجة؛ فالمتهم هنا متعدد الأطراف، والتحقيق ما زال جارياً!
فيتامينات بلا هالة مقدسة
يحتوي الخوخ كذلك على فيتامين A ومركبات كاروتينية، إلى جانب فيتامين C، لكن الكميات تختلف بحسب الصنف والحجم ودرجة النضج. ولا يصح تقديمه باعتباره المصدر الوحيد أو الأهم لهذه الفيتامينات؛ فالتغذية الجيدة تقوم على تنوع الأغذية وتكاملها، لا على تعليق جميع الآمال على فاكهة واحدة.
وتوجد في الخوخ أيضاً مركبات نباتية مضادة للأكسدة، وهي مواد تساهم في حماية الخلايا من بعض الأضرار التأكسدية. غير أن وجود هذه المركبات لا يعني أن تناول الخوخ يمنع مرضاً بعينه أو يعالج مشكلة صحية محددة. فالمسافة بين اكتشاف مكوّن غذائي مفيد وإثبات تأثير علاجي مباشر قد تكون طويلة، ولا يمكن اختصارها في منشور جذاب على مواقع التواصل الاجتماعي.
وهنا يمكن تبرئة الخوخ من تهمة التقصير، مع توجيه تنبيه إلى بعض النصائح التي تمنح الفواكه قدرات خارقة؛ فالخوخ ليس حبة دواء، ومجرد احتوائه على الفيتامينات لا يحوّله إلى صيدلية متنقلة!
الإفراط تحت المراقبة: متى ينقلب السحر على صاحبه؟
لا يخلو الملف من بعض التحفظات. فقد يسبب تناول كميات كبيرة من الخوخ الانتفاخ أو الانزعاج الهضمي لدى بعض الأشخاص، خصوصاً من لديهم حساسية تجاه أنواع معينة من السكريات الموجودة في الفواكه. لذلك، يظل الاعتدال مهماً، مع مراعاة الاستجابة الفردية للأغذية.
أما القشرة، فيمكن تناولها بعد غسل الثمرة جيداً، بحسب الرغبة والتحمل الشخصي. ولا يتطلب الاستمتاع بالخوخ وصفة معقدة أو معدات مطبخ متطورة؛ يكفي اختياره بجودة جيدة وغسله قبل الأكل. وإذا انتهت الجلسة ببقعة عصير على القميص، فذلك ملف آخر يُحال مباشرة إلى قسم الغسيل، خارج اختصاص خبراء التغذية!
الحكم النهائي: براءة الخوخ
بعد فحص الأرقام والاستماع إلى شهادة الماء والألياف والفيتامينات، يبدو أن الخوخ يستحق مكانه ضمن نظام غذائي متوازن. فسعراته الحرارية معتدلة نسبياً، ويقدم الماء والألياف وبعض الفيتامينات والمعادن، من دون أن يكون علاجاً سحرياً أو بديلاً عن الرعاية الطبية.
وعليه، تقرر المحكمة الغذائية تبرئة الخوخ من تهمة الدلال الزائد، مع التوصية بتناوله باعتدال، وعدم إغراقه بالسكر المضاف، وعدم تحميله وعوداً صحية تتجاوز قيمته الحقيقية.
أما المستهلك، فله أن يستمتع بموسم الخوخ دون قلق مبالغ فيه، شرط ألا يخلط بين الفاكهة المفيدة والوصفة الخارقة. ويُغلق الملف مؤقتاً، إلى حين مثول فاكهة أخرى أمام المحكمة؛ فالموسم مستمر، وقائمة المشتبه فيهم داخل سلة الفواكه طويلة!