Preloader Image
من الزلاقة إلى سبتة ومليلية.. كريزي بويز يستحضر التاريخ في رسالة تتجاوز مدرجات كرة القدم

من الزلاقة إلى سبتة ومليلية.. كريزي بويز يستحضر التاريخ في رسالة تتجاوز مدرجات كرة القدم

إبراهيم باعزيز


لم يختر فصيل «كريزي بويز»، المساند لنادي الكوكب المراكشي، أن يمرّ على ذكرى معركة الزلاقة باعتبارها محطة عابرة في سجل التاريخ، بل استعادها من زاوية تتجاوز سرد الوقائع العسكرية إلى استحضار دلالاتها السياسية والرمزية. ففي منشور مطوّل، أعاد الفصيل بناء مشهد المواجهة التي جمعت المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين بالقوات المسيحية بقيادة ألفونسو السادس سنة 1086، قبل أن ينقل خطابه من ساحات الأندلس إلى قضية الثغور المحتلة، واضعاً الذاكرة التاريخية في صلب رسالة معاصرة تتصل بالهوية والسيادة.

وتكتسب معركة الزلاقة مكانتها من سياقها التاريخي؛ فقد جاءت في مرحلة اتسمت بتفكك ممالك الطوائف وتزايد الضغوط العسكرية عليها، بعدما لجأ المعتمد بن عباد، حاكم إشبيلية، إلى طلب مساعدة يوسف بن تاشفين. وانتهت المواجهة بانتصار المرابطين وحلفائهم الأندلسيين، في نتيجة أوقفت الاندفاع العسكري القشتالي آنذاك، ومهّدت لتحولات عميقة في ميزان القوى بالمنطقة. غير أن أثر المعركة لم يتوقف عند حدود الميدان، إذ أتاح التدخل المرابطي لاحقاً توسيع نفوذ الدولة التي اتخذت من مراكش مركزاً لحكمها، قبل أن تصبح مدن أندلسية عدة تحت سلطتها.

في قراءة «كريزي بويز»، لا يبدو استحضار هذه الوقائع منفصلاً عن فكرة مركزية تتكرر في ثنايا المنشور: العلاقة بين تفرق القوى وتراجع قدرتها على مواجهة التحديات، وبين اجتماعها وإمكانية تغيير مسار الأحداث. ومن هنا، يحضر يوسف بن تاشفين باعتباره شخصية محورية في الذاكرة التي يستند إليها الفصيل، فيما تستعيد مراكش موقعها التاريخي عاصمةً لدولة امتد نفوذها إلى الضفة الأخرى من المتوسط. وهي إحالة تمنح المنشور بعداً يتجاوز الاحتفاء بشخصية تاريخية أو انتصار عسكري، لتطرح سؤالاً أوسع بشأن الطريقة التي تستحضر بها الجماعات المعاصرة ماضي المنطقة وتعيد توظيف رموزه.

لكن النقطة الأكثر دلالة في المنشور تظهر عند انتقاله من التاريخ إلى الحاضر، حين يؤكد أن «الثغور المحتلّة ستعود إلى أصحابها»، وأن «الحقوق لا تسقط بالتقادم». هنا تتضح وجهة الرسالة التي أراد الفصيل إيصالها؛ إذ لم تعد الزلاقة موضوعاً تاريخياً قائماً بذاته، بل أصبحت إطاراً رمزياً للتعبير عن موقف من قضية سبتة ومليلية، اللتين تخضعان للإدارة الإسبانية وتشكلان محور خلاف سياسي بين الرباط ومدريد بشأن السيادة عليهما. ويمنح الاقتباس المباشر القارئ مدخلاً إلى لغة الفصيل نفسه، بما تحمله من إحالات تاريخية ومواقف معلنة، عوض الاكتفاء بتلخيصها من الخارج.

وتندرج هذه القضية ضمن ملفات العلاقات المغربية الإسبانية التي ظلّت حاضرة منذ استقلال المغرب، مع اختلاف المقاربات الرسمية للبلدين بشأن الوضع القانوني والسيادي للمدينتين. ففي الوقت الذي يتمسك فيه المغرب بمطالبه المرتبطة بهما، تعتبرهما إسبانيا جزءاً من أراضيها، وهو ما يجعل الملف محكوماً باعتبارات تاريخية وسياسية ودبلوماسية متداخلة. ومن ثم، فإن العبارات التي اختارها الفصيل تعبّر عن موقفه من هذا النزاع، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها وصفاً محايداً ومتفقاً عليه للوضع القانوني للمدينتين؛ فالتعبير عن المطالب الوطنية يظل متميزاً عن المسارات السياسية والدبلوماسية والقانونية التي يُناقش من خلالها هذا الملف.

وتكشف هذه النقلة من الزلاقة إلى الثغور عن إحدى خصائص الخطاب الجماهيري المرتبط بكرة القدم في المغرب؛ فبعض الفصائل لا تحصر تعبيرها في نتائج المباريات أو شؤون الأندية، بل توظف المدرجات والرموز التاريخية واللغة ذات الحمولة الوطنية للتعبير عن مواقف تتصل بقضايا أوسع. وفي هذه الحالة، يستند «كريزي بويز» إلى واقعة تاريخية مرتبطة بدور دولة انطلقت من مراكش، ليمنح رسالته امتداداً زمنياً وجغرافياً يتجاوز الإطار الرياضي الذي ينتمي إليه.

ويظل شكل تقديم هذا الخطاب عنصراً مهماً في تقدير أثره الجماهيري؛ فثمة فرق بين بيان منشور على منصات التواصل الاجتماعي، ورسالة تُرفع في المدرجات عبر لافتة أو «تيفو» بصري خلال مباراة. فالبيان يتيح مساحة أوسع للسرد التاريخي والتفصيل، بينما تختزل الرسائل البصرية في الملاعب أفكارها عادةً في رموز وعبارات مكثفة، تتلقى معناها داخل أجواء جماعية مشحونة بالانتماء. وبما أن المعطيات المتاحة هنا تتعلق بنص المنشور، فلا يمكن الجزم بأنه رافقته لوحة جماهيرية أو عرض بصري داخل الملعب؛ غير أن استحضار هذا البعد يوضح كيف يمكن للثقافة الجماهيرية أن تصبح فضاءً للتعبير عن قضايا تتجاوز المنافسة الرياضية، من دون أن يفقد الخطاب صلته بهوية الفصيل ومحيطه الكروي.

وفي المقابل، فإن استدعاء الزلاقة يظل توظيفاً رمزياً لواقعة تاريخية جرت في سياق مختلف عن سياق العلاقات المغربية الإسبانية المعاصرة. فمعركة القرن الحادي عشر ارتبطت بتوازنات سياسية وعسكرية خاصة بمرحلتها، بينما تخضع قضية سبتة ومليلية اليوم لتعقيدات تاريخية وقانونية ودبلوماسية مختلفة. لذلك، فإن أهمية المقارنة لا تكمن في اعتبار الحالتين امتداداً واحداً، بل في فهم الكيفية التي تستعيد بها الجماعات المعاصرة أحداث الماضي لتعبّر عن تصوراتها بشأن الحاضر، من دون أن يحسم هذا الاستدعاء وحده طبيعة الخلافات الراهنة أو مسارات تسويتها.

وبين استعادة انتصار المرابطين والتأكيد على عدم سقوط المطالب بمرور الزمن، يقدّم منشور «كريزي بويز» نموذجاً لكيفية انتقال الذاكرة التاريخية من الكتب والوقائع إلى فضاءات التعبير الجماهيري. فالزلاقة، في هذا الخطاب، ليست مجرد اسم لمعركة قديمة، بل رمز اختاره الفصيل لربط ماضي مراكش والأندلس بقضية ما تزال حاضرة في النقاش الوطني. وهي رسالة تكشف أن كرة القدم قد تتحول أحياناً إلى منصة للتعبير عن تصورات تتجاوز حدود الملعب، حين تتقاطع هوية الجمهور مع التاريخ وأسئلة الأرض والسيادة؛ فيما تظل قراءة هذا الخطاب صحفياً رهينة التمييز بين الوقائع التاريخية، والمواقف التي يعلنها أصحابها، والسياقات السياسية التي تمنحها معناها المعاصر.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات