Preloader Image
من عبد القادر بنجلون إلى فوزي لقجع.. كيف تغيّرت مالية الدولة وماذا تغيّر في حياة المغاربة؟

من عبد القادر بنجلون إلى فوزي لقجع.. كيف تغيّرت مالية الدولة وماذا تغيّر في حياة المغاربة؟

إبراهيم باعزيز


بين خزينة دولة حديثة الاستقلال، كانت أولوياتها مرتبطة ببناء المؤسسات وتأمين الموارد الأساسية، وميزانية مغرب اليوم، بما تحمله من استثمارات كبرى وإصلاحات اجتماعية والتزامات مالية متزايدة، تمتد عقود من التحولات التي أعادت تشكيل علاقة الدولة بالاقتصاد والمجتمع. فمن عبد القادر بنجلون، الذي تولى مسؤولية المالية في دجنبر 1955، إلى فوزي لقجع، الذي يقود وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، تغيرت الأسماء والأولويات وأدوات التدبير، لكن سؤالاً ظل يرافق هذه الرحلة: إلى أي حد انعكست تحولات مالية الدولة على الحياة اليومية للمغاربة؟

في السنوات الأولى للاستقلال، لم تكن المهمة مقتصرة على ضبط المداخيل والنفقات، بل كانت جزءاً من معركة بناء مؤسسات وطنية قادرة على مواكبة حاجيات بلد يعيد تنظيم إدارته ويوسع خدماته العمومية. وتولى عبد القادر بنجلون مسؤولية المالية من 7 دجنبر 1955 إلى 28 أكتوبر 1956، قبل أن تتعاقب على القطاع أسماء من بينها عبد الرحيم بوعبيد ومحمد الدويري وإدريس السلاوي ومامون الطاهري. ومع اتساع حاجيات البلاد، تحولت الميزانية تدريجياً من أداة لتغطية النفقات الأساسية إلى وسيلة لتحديد الأولويات وتمويل التعليم والصحة والتجهيز والاستثمار، في ظل معادلة دائمة بين محدودية الموارد واتساع انتظارات المجتمع.

غير أن طموحات التنمية اصطدمت، خلال أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، بضغوط مالية واقتصادية متزايدة، ارتبطت بالمديونية وارتفاع كلفة الطاقة والاختلالات التي عرفتها المالية العمومية. ومع دخول المغرب مرحلة التصحيح الهيكلي، برزت أولوية ضبط الإنفاق واستعادة التوازنات المالية وإعادة هيكلة المديونية، بالتوازي مع تطوير النظام الضريبي. وشكل إدخال الضريبة على القيمة المضافة سنة 1986 إحدى المحطات البارزة في تطور الجباية المغربية. ولم تكن هذه الإجراءات مجرد تعديلات تقنية في حسابات الدولة، بل عكست تحولاً في خياراتها الاقتصادية، وأعادت إلى الواجهة سؤال الكلفة الاجتماعية للإصلاحات وحدود التوفيق بين الاستقرار المالي ومتطلبات التنمية.

ومع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، انتقل النقاش تدريجياً من حجم الموارد والنفقات إلى كيفية تدبيرها وقياس أثرها. وتعاقب على الوزارة مسؤولون من بينهم فتح الله ولعلو وصلاح الدين مزوار ونزار بركة ومحمد بوسعيد ومحمد بنشعبون ونادية فتاح، في سياقات اقتصادية مختلفة فرضت تحديات متجددة. وفي هذا المسار، شكل القانون التنظيمي لقانون المالية رقم 130.13، الذي أُقر سنة 2015 وبدأ تفعيله تدريجياً ابتداءً من 2016، محطة مهمة في تحديث التدبير الميزانياتي، من خلال تعزيز البرمجة متعددة السنوات وربط الاعتمادات بالبرامج والنتائج وتوسيع آليات التتبع والمراقبة. وبذلك، لم يعد السؤال مقتصراً على مقدار ما تنفقه الدولة، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بما تحققه من وراء إنفاقها؛ فالميزانية المرصودة لمدرسة أو مستشفى أو مشروع استثماري لا تكتسب قيمتها الكاملة إلا حين تتحول إلى خدمات أفضل ونتائج ملموسة.

وكشفت الأزمات الاقتصادية عن صعوبة الموازنة بين ضبط النفقات والاستجابة للحاجيات الاجتماعية، خصوصاً مع ارتفاع كلفة المعيشة وتزايد الضغط على ميزانية الدولة. فالتحدي لا يكمن فقط في تعبئة الموارد، بل في توجيهها نحو الأولويات الأكثر إلحاحاً، وضمان تحول الاعتمادات المرصودة إلى نتائج ملموسة دون الإخلال بالتوازنات المالية.

وفي قلب هذه التحولات، ظلت الضرائب إحدى أكثر نقاط التماس وضوحاً بين الدولة والمواطن. فهي مورد أساسي لتمويل المرافق العمومية، لكنها تمس أيضاً دخل الأسر وكلفة الاستهلاك ونشاط المقاولات وقدرتها على الاستثمار والتشغيل. لذلك، لم يعد الإصلاح الجبائي مرتبطاً فقط بتعبئة الموارد، بل كذلك بتوزيع العبء بصورة أكثر إنصافاً، وتوسيع قاعدة المساهمين، وتعزيز الثقة بين الإدارة ودافعي الضرائب. وجاء القانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي سنة 2021 ليحدد توجهات إصلاحية في هذا الاتجاه، غير أن التحدي الحقيقي يظل في تنزيلها وقياس أثرها على مختلف الفئات. فالمواطن لا ينظر إلى الضريبة باعتبارها رقماً في حسابات الدولة فحسب، بل ينتظر أن يجد مقابلها في جودة المدرسة والمستشفى والنقل والإدارة، وأن يشعر بأن الأعباء موزعة وفق قواعد واضحة ومنصفة.

اليوم، يجد فوزي لقجع نفسه في قلب هذه المعادلة، بعدما انتقل من منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، الذي تولاه سنة 2021، إلى قيادة وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية في أكتوبر 2026. وتضعه المسؤولية الجديدة أمام ملفات متشابكة، من تمويل الأوراش الكبرى والإصلاحات الاجتماعية إلى الحفاظ على التوازنات المالية وتحسين مردودية الإنفاق العمومي. فالمشاريع تحتاج إلى موارد مستدامة، والبرامج الاجتماعية تتطلب تمويلاً قابلاً للاستمرار، فيما يظل هامش تدخل الدولة مرتبطاً بقدرتها على تعبئة الموارد وتدبيرها بكفاءة، في سياق اقتصادي تتداخل فيه عوامل داخلية وخارجية.

لكن الرهان لا يتوقف عند حجم الأموال التي تستطيع الدولة تعبئتها، بل يمتد إلى كيفية توجيهها وتقييم نتائجها. فالاستثمار العمومي لا يُقاس فقط بعدد المشاريع المعلنة أو الاعتمادات المرصودة، وإنما بقدرته على تحسين البنيات التحتية وتحفيز الاقتصاد وخلق فرص الشغل والاستجابة لحاجيات المواطنين. ومن هنا، يصبح تحسين نجاعة الإنفاق اختباراً أساسياً لمدى قدرة السياسات المالية على الانتقال من لغة الأرقام والمؤشرات إلى أثر اقتصادي واجتماعي يلمسه الناس في حياتهم اليومية.

وهنا يعود السؤال إلى نقطة البداية: ماذا تغيّر فعلاً في حياة المغاربة؟ فالمواطن لا يقيس المالية العمومية بمؤشرات العجز والمديونية وحدها، وإنما بما يلمسه في يومه؛ بفرص الشغل، وكلفة المعيشة، وجودة الخدمات، وقدرة أسرته على مواجهة المصاريف. ولا يمكن اختزال هذه النتائج في حصيلة وزير واحد، لأنها ثمرة سياسات متراكمة تتداخل فيها قطاعات متعددة، لكنها تظل المعيار الأوضح لقياس أثر الاختيارات المالية. فمنذ مرحلة تأسيس مؤسسات الدولة إلى زمن الاستثمارات الكبرى والإصلاحات الاجتماعية، تطورت أدوات الميزانية والجباية والرقابة، غير أن قيمة هذا التطور لا تكتمل بتحديث القوانين أو تحسين المؤشرات وحدهما، بل بمدى انعكاسهما على المجتمع.

من عبد القادر بنجلون إلى فوزي لقجع، ليست الحكاية مجرد تعاقب وزراء على حقيبة حكومية، بل مسار تحولات في دور الدولة وطريقة تمويل أولوياتها. وبين ما تجمعه الخزينة وما تنفقه، تظل المسافة الأهم هي تلك التي تفصل القرار المالي عن أثره الاجتماعي؛ فحين تتغير مالية الدولة، هل يتغير معها واقع المغاربة بالقدر الذي ينتظرونه؟

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات