Preloader Image
«اللي ما ربّاوْه والديه يربّيه المخزن».. واقعة عين الذياب تضع تربية الشارع أمام اختبار القانون

«اللي ما ربّاوْه والديه يربّيه المخزن».. واقعة عين الذياب تضع تربية الشارع أمام اختبار القانون

إبراهيم باعزيز

ليس كل ما يتداوله المغاربة من أمثال شعبية مجرد عبارات عابرة، فبعضها يلخص تجارب اجتماعية متراكمة، ويختزل في كلمات قليلة علاقة الفرد بمحيطه وبالمؤسسات التي تؤطر حياته. ومن بين هذه الأمثال عبارة «اللي ما ربّاوْه والديه يربّيه المخزن»، التي تستعيد حضورها على خلفية الواقعة التي شهدتها منطقة عين الذياب بالدار البيضاء، بعدما ظهر شاب على متن دراجة نارية، رفقة فتاة، في مشهد تضمن عدم الامتثال لتعليمات عناصر الأمن وتوجيه إشارات نابية في حقهم.

وبعيداً عن تفاصيل الفيديو المتداول، تطرح الواقعة سؤالاً يتجاوز حدود التصرف الفردي: كيف يتحول الامتثال لتعليمات السلطات المكلفة بإنفاذ القانون، في نظر بعض الأشخاص، إلى فرصة للاستعراض والتحدي؟ وهل يتعلق الأمر بنزعة عابرة لإثبات الذات أمام الكاميرا، أم بمؤشرات على خلل في استيعاب معنى المسؤولية وحدود الحرية الفردية؟ فالشارع العام ليس مسرحاً لاستعراض القوة أو اختبار حدود التساهل، وإنما فضاء مشترك تحكمه قواعد تضمن سلامة مستعمليه وتصون حقوقهم.

ويعيد هذا السلوك النقاش إلى دور التنشئة الأسرية في بناء شخصية الفرد، باعتبارها المجال الأول الذي يتعلم فيه احترام الغير وضبط التصرفات وإدراك عواقب الاختيارات. غير أن التربية لا تنفصل عن محيطها؛ فالمدرسة والشارع ووسائل التواصل الاجتماعي تشارك بدورها في تشكيل منظومة القيم والسلوك، خصوصاً حين يصبح الاستفزاز مادة للانتشار، ويُقدَّم خرق القواعد أحياناً باعتباره جرأة أو بطولة أمام جمهور المنصات الرقمية. ومن ثم، فإن فهم هذه الظواهر يقتضي قراءة البيئة الاجتماعية التي تنتجها، لا اختزالها في مسؤولية طرف واحد أو أسرة بعينها.

في المقابل، يظل القانون الإطار الذي تنتقل داخله المسؤولية من مستوى التوجيه والتنشئة إلى مستوى المساءلة عن الأفعال المخالفة. فاحترام عناصر الأمن أثناء أداء مهامهم ليس مسألة مجاملة شخصية، بل يرتبط باحترام الوظيفة العامة والقواعد المنظمة للنظام العام. ووفق المعطيات المنشورة بشأن الواقعة، أسفرت الأبحاث عن توقيف المشتبه فيه وحجز الدراجة النارية، في إطار مسطرة قضائية تشرف عليها النيابة العامة المختصة. وتبقى هذه الإجراءات جزءاً من البحث، ولا تعني ثبوت المسؤولية الجنائية قبل استكمال المسطرة والبت القضائي.

إن المثل الشعبي «اللي ما ربّاوْه والديه يربّيه المخزن» يختزل، في عمقه، انتقال الفرد من سلطة التوجيه الاجتماعي إلى سلطة القانون، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى دعوة للاكتفاء بالزجر أو إلى اختزال وظيفة المؤسسات الأمنية في التربية. فالمجتمع الذي يراهن على القانون وحده لمعالجة اختلالاته يترك جزءاً أساسياً من الوقاية دون معالجة، كما أن احترام القانون لا يُقاس بالخوف من العقوبة، بل بوعي الفرد بحقوقه وواجباته حتى في غياب الرقابة. وبين التربية والردع تتحدد معالم المواطنة: أن يدرك الإنسان أن حريته لا تمنحه حق الاعتداء على حقوق الآخرين، وأن احترام القانون ليس استسلاماً للسلطة، بل شرطاً للعيش المشترك.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات