مراد العطشان
في الماضي غير البعيد، كان المغاربة ينظرون إلى الزواج باعتباره ميثاقاً غليظاً وبداية لتأسيس أسرة، وكانت البساطة والتفاهم والاستعداد لتحمل المسؤولية تحتل مكانة أساسية في بناء العلاقة الزوجية. لم تكن الإمكانيات المادية غائبة عن حسابات الأسر، لكنها لم تكن دائماً المعيار الحاسم في تقييم المقبلين على الزواج. أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة لدى فئات واسعة من المجتمع، وأصبح الزواج في بعض الحالات أشبه بمشروع استثماري يحتاج إلى رأسمال لا يتوفر لدى كثير من الشباب.
المفارقة التي تستحق التأمل أننا نعيش تناقضاً بين خطابنا وممارساتنا؛ ففي الوقت الذي نرفع فيه شعارات الحفاظ على الأسرة المغربية وقيمها الأصيلة، نساهم أحياناً، من خلال توقعاتنا الاجتماعية وسلوكياتنا الاستهلاكية، في جعل تأسيس هذه الأسرة أكثر صعوبة. لقد تحولت بعض مظاهر الزواج إلى حواجز مالية أمام جيل يجد نفسه محاصراً بين محدودية الأجور، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الحصول على السكن، وسطوة ثقافة المظاهر والمقارنات الاجتماعية.
وتكشف التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المجتمع المغربي أن العوامل المادية أصبحت حاضرة بقوة في النقاش حول الزواج، خصوصاً في ظل صعوبة الحصول على السكن، ومحدودية بعض المداخيل، وارتفاع تكاليف المعيشة. وهي تحديات تجعل عدداً من الشباب يعيدون التفكير في توقيت الزواج وشروطه، بحثاً عن حد أدنى من الاستقرار.
ما الذي يُطلب من شاب في بداية مساره المهني حتى يصبح مستعداً للزواج؟ في بعض الأوساط، عليه أن يوفر مسكناً مستقلاً في سوق عقارية ترتفع فيها كلفة الكراء والاقتناء، وأن يتحمل مصاريف التجهيز والفواتير والاحتياجات اليومية، ثم يواجه قائمة أخرى من الالتزامات المرتبطة بالخطوبة والصداق وحفل الزفاف. وكأن الأمر يتعلق بملف استثماري ينبغي أن يستوفي جميع الشروط قبل أن يبدأ صاحبه حياته الأسرية.
وتزداد المفارقة حين تتحول ليلة الزفاف، التي يفترض أن تكون مناسبة للاحتفال ببداية حياة مشتركة، إلى استعراض اجتماعي تتسابق فيه بعض العائلات على القاعات الفاخرة والملابس والتصوير والضيافة، في محاولة لمجاراة ما يفعله الآخرون. وقد يجد بعض الشباب أنفسهم أمام مصاريف تتجاوز إمكانياتهم، فقط حتى لا يظهروا بمظهر أقل من غيرهم، وكأن قيمة الزواج أصبحت تقاس بحجم الأموال التي أُنفقت في ليلة واحدة.
لكن هل المشكلة في تمسك المرأة المغربية بالاستقرار المادي؟ بالتأكيد لا. فمن حق المرأة أن تبحث عن الأمان والاستقرار، مثلما من حق الرجل ألا يُحمّل نفسه التزامات تفوق قدرته. المشكلة تبدأ عندما تتحول المطالب المعقولة إلى توقعات مبالغ فيها، وعندما يصبح الإنفاق معياراً لتقييم الجدية، وتتحول الإمكانيات المالية إلى امتحان اجتماعي يسبق حتى التفاهم والتوافق.
نحن أمام أزمة مركبة لا يتحمل الشباب وحدهم مسؤوليتها؛ أزمة سوق شغل لا يوفر دائماً الاستقرار المطلوب، وأزمة سكن تتزايد معها صعوبة الاستقلال، وأزمة ثقافة اجتماعية تراجعت فيها قيم التيسير والتضامن لدى بعض الفئات لصالح الاستهلاك والمباهاة. فالشاب الذي يؤجل الزواج ليس بالضرورة شخصاً يتهرب من المسؤولية، فقد يكون مدركاً أن بناء أسرة يحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار، وأن الدخول في التزامات مالية تفوق دخله قد يضع حياته المستقبلية تحت ضغط مستمر.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال الحل في مطالبة الأسر بالتنازل عن تطلعاتها، أو مطالبة الشباب بالاكتفاء بالنية الحسنة. فالزواج مسؤولية مشتركة، والاستقرار يحتاج إلى شروط واقعية، كما أن توفير فرص الشغل وتحسين القدرة الشرائية وتيسير الولوج إلى السكن تظل قضايا أساسية في أي نقاش جاد حول مستقبل الأسرة المغربية.
إن الدفاع عن الأسرة المغربية لا يكون بالخطب الرنانة وحدها، ولا بمطالبة الشباب بتحمل ما يفوق طاقتهم، وإنما يبدأ أيضاً بمراجعة شجاعة لبعض العادات التي حولت الفرح إلى عبء، والاحتفال إلى منافسة، وبإعادة الاعتبار لقيم التيسير والتعاون والتفاهم بين العائلات.
فإذا كنا حريصين فعلاً على مستقبل الأسرة، فعلينا أن نعيد للزواج معناه الإنساني والاجتماعي، وأن نتوقف عن اختزال قيمة الرجل في قدرته على الإنفاق، أو قيمة المرأة في حجم ما يُنفق من أجلها. فالأسر المستقرة لا تُبنى بالمظاهر وحدها، ولا تُقاس متانتها بفخامة حفلات الزفاف، وإنما بقدرة طرفيها على بناء حياة مشتركة قوامها الاحترام والمسؤولية والتوازن.
فهل أصبح الزواج في المغرب يحتاج إلى رأسمال أكبر من الحب والتفاهم، أم أننا نحن من جعلنا الطريق إلى تكوين الأسرة أكثر كلفة مما ينبغي؟