Preloader Image
«البيضا مونامور».. اقتصاد السموم بين بريق الوجاهة وفخ الاعتماد

«البيضا مونامور».. اقتصاد السموم بين بريق الوجاهة وفخ الاعتماد

إبراهيم باعزيز


لم يعد الحديث عن الكوكايين مقتصراً على كونه مادة مخدرة ذات تأثيرات مدمرة على الصحة، بل أصبح يفتح نافذة على ظاهرة أكثر تعقيداً تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية بالتمثلات الاجتماعية والنفسية. ففي بعض التصورات المرتبطة بالاستهلاك والاستعراض، قد يُقدَّم هذا المخدر باعتباره علامة رمزية مرتبطة بالوجاهة والتباهي وإظهار القدرة على الإنفاق، وكأن الوصول إليه يمنح صاحبه مكانة استثنائية داخل محيطه. وهنا تتجاوز المسألة حدود الاستهلاك الفردي لتلامس ثقافة تمنح أحياناً قيمة للمظاهر على حساب سلامة الإنسان، وتختزل التميز في القدرة على اقتناء ما هو مكلف أو محظور، حتى عندما تكون كلفته الحقيقية أكبر بكثير مما توحي به لحظة الاستعراض.

ومن هذا المنظور، يبرز البعد الاقتصادي لسوق الكوكايين باعتباره جزءاً من اقتصاد غير مشروع لا تحكمه قواعد العرض والطلب وحدها، بل تتداخل فيه أنماط غير مشروعة من الترويج والتوزيع، وتستفيد من عوامل اقتصادية واجتماعية متعددة. فارتفاع كلفة هذه المادة لا يحد بالضرورة من جاذبيتها لدى بعض المستهلكين، بل قد يتحول إلى عنصر يعزز صورتها المرتبطة بالندرة والامتياز. غير أن هذه الصورة تخفي واقعاً مختلفاً؛ إذ لا تتوقف كلفة الاستهلاك عند المبالغ التي تُدفع مقابل الحصول على المخدر، وإنما تمتد إلى ما قد يترتب عنه من اضطراب في العلاقات الأسرية والمهنية، واستنزاف للموارد المالية، وتراجع في القدرة على اتخاذ القرار. وهكذا يصبح ما يُقدَّم أحياناً باعتباره استهلاكاً استثنائياً مدخلاً إلى علاقة معقدة بين المال والسلوك، حيث تتحول الرغبة في الحفاظ على نمط استهلاك مكلف إلى ضغط إضافي على الفرد ومحيطه.

لكن أخطر ما في هذه الظاهرة لا يكمن فقط في حجم الأموال التي تتحرك داخل سوقها الخفي، بل في طبيعة العلاقة التي قد تنشأ بين المستهلك والمادة نفسها. فالتأثيرات المنبهة للكوكايين ترتبط بمخاطر صحية ونفسية خطيرة، من بينها اضطرابات النوم والقلق ومشكلات القلب والأوعية الدموية، فضلاً عن احتمال تطور اضطراب تعاطي المادة بما يجعل التوقف عنها أكثر صعوبة. وفي هذه المرحلة، يتراجع وهم السيطرة الذي قد يرافق التجارب الأولى، ليجد الشخص نفسه أمام نمط استهلاك قد يتغذى على الرغبة في تكرار التأثير، رغم ما يرافقه من أضرار. كما أن اختزال الظاهرة في ضعف الإرادة أو الانحراف الأخلاقي لا يساعد على فهمها أو معالجتها؛ فالتعامل معها يقتضي التمييز بين المسؤولية الفردية والحاجة إلى الرعاية الصحية والنفسية، مع الانتباه إلى الظروف الاجتماعية التي قد تسهم في تطبيع الاستهلاك أو إخفاء مخاطره.

إن مواجهة اقتصاد السموم لا يمكن أن تُختزل في المقاربة الأمنية، رغم ضرورتها في تفكيك شبكات الاتجار وتجفيف منابع الترويج، كما لا ينبغي أن تقتصر على حملات تحسيسية عابرة لا تلامس جذور المشكلة. فالمطلوب مقاربة متكاملة تجمع بين الوقاية والتوعية المبنية على المعرفة العلمية، وتيسير الولوج إلى العلاج والدعم النفسي، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة والإعلام في تفكيك التصورات التي قد تربط المخدرات بالنجاح أو الوجاهة أو التحرر، وتغذيها بعض الممارسات الاستهلاكية والاستعراضية. كما يظل من الضروري مواجهة اقتصاد الترويج الذي يستثمر في الصمت الاجتماعي وفي الخلط بين الثراء والمكانة من جهة، وبين الاستهلاك المحفوف بالمخاطر من جهة أخرى. فحين يصبح المخدر وسيلة متخيلة لإثبات الذات، تكون المعركة الحقيقية أعمق من ضبط مادة ممنوعة؛ إنها معركة من أجل استعادة معنى التميز بعيداً عن الاستعراض، وحماية الإنسان من سوق لا تبيع النشوة وحدها، بل قد تجرّه تدريجياً إلى كلفة نفسية وجسدية واجتماعية باهظة.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات