Preloader Image
«الشاي في قفص الاتهام».. بين متعة المذاق ومخاطر الإفراط

«الشاي في قفص الاتهام».. بين متعة المذاق ومخاطر الإفراط

إبراهيم باعزيز

يصعب تخيّل تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة دون حضور كأس الشاي، أو «أتاي» كما يحلو تسميته في الذاكرة الجماعية. فهو ليس مجرد مشروب، بل جزء من طقوس الضيافة واللقاءات العائلية والاستراحات اليومية، حتى أصبح حضوره في بعض البيوت عادة متكررة يصعب الاستغناء عنها. غير أن هذا الارتباط الثقافي يطرح سؤالاً صحياً يستحق النقاش: هل نستهلك الشاي باعتباره مشروباً عادياً، أم أن بعض العادات المرتبطة بتحضيره وتناوله قد تجعل منه مصدراً لمخاطر لا تحظى بالانتباه الكافي؟

أحد أبرز التحذيرات العلمية يرتبط بدرجة الحرارة. فقد صنّفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان المشروبات التي تُستهلك بدرجات تتجاوز 65 درجة مئوية ضمن العوامل التي يُحتمل أن تكون مسرطنة للبشر، لارتباط تناولها المتكرر بارتفاع خطر الإصابة بسرطان المريء. ولا يستهدف هذا التصنيف الشاي في حد ذاته، بل المشروبات شديدة السخونة، التي قد تؤدي حرارتها إلى إلحاق أذى متكرر بالأنسجة المبطنة للمريء. وبذلك، فإن شرب الشاي فور صبه، قبل أن تنخفض حرارته، عادة تستحق المراجعة من منظور الوقاية الصحية.

ولا تنحصر المساءلة في الحرارة، إذ يطرح استهلاك الشاي إشكالاً غذائياً آخر يتعلق بامتصاص الحديد. فمركبات البوليفينول الموجودة فيه تحدّ من امتصاص الحديد غير الهيمي، المتوفر أساساً في الأغذية النباتية وبعض المنتجات المدعمة. وقد أظهرت دراسة أُجريت على نساء مغربيات ونُشرت سنة 2021 انخفاضاً في امتصاص الحديد عند تناول الشاي الأخضر التقليدي بالتزامن مع وجبة مدعمة به. ولا يعني ذلك أن الشاي يسبب فقر الدم تلقائياً، لكنه يستدعي الانتباه لدى الأشخاص الذين يعانون نقص الحديد أو ترتفع لديهم احتمالات الإصابة به، مع تفضيل الفصل زمنياً بين تناوله والوجبات الغنية بالحديد.

في المقابل، يحتوي الشاي، خصوصاً الأخضر منه، على مركبات نباتية مثل الكاتيكينات، التي خضعت لأبحاث بشأن آثارها المحتملة على بعض المؤشرات الصحية. غير أن وجود مضادات الأكسدة لا يحوّل المشروب إلى علاج، ولا يثبت الادعاءات المتداولة بشأن حرق الدهون أو الوقاية من السرطان. كما يحتوي على الكافيين، الذي قد يؤثر في جودة النوم ويزيد التوتر أو التململ لدى بعض الأشخاص، تبعاً للكمية المستهلكة والحساسية الفردية. وهو ما يجعل تقييم أثره الصحي مرتبطاً بحدود الاستهلاك، لا بمجرد وجوده في النظام الغذائي.

أما السكر المضاف، فيكشف جانباً آخر من عادات استهلاك الشاي، خصوصاً حين يتحول تحضير الإبريق بكميات مرتفعة منه إلى ممارسة يومية تتكرر معها الكؤوس في المنزل والمقهى والعمل. فالإفراط في السكريات الحرة يرتبط بزيادة الوزن وتسوس الأسنان ومخاطر أيضية أخرى، وقد لا ينتبه المستهلك إلى حجم ما يستهلكه حين تتوزع الكمية على عدة كؤوس خلال اليوم. ومن هنا، لا تتعلق الوقاية بالتخلي عن الشاي، بل بإعادة ضبط طريقة تحضيره: تخفيف السكر، وتجنب تناوله شديد السخونة، ومراعاة توقيته، خصوصاً لدى الأشخاص المعرضين لنقص الحديد أو المتأثرين بالكافيين.

في المحصلة، لا يمثل الشاي خطراً صحياً لمجرد حضوره في الحياة اليومية، كما لا تمنحه مكانته الثقافية حصانة من المساءلة العلمية. فبين فوائده المحتملة ومخاطر بعض ممارسات استهلاكه، يظل الاعتدال هو الفيصل؛ إذ لا تستدعي حماية الصحة إقصاء «أتاي» من المائدة المغربية، بقدر ما تستدعي مراجعة العادات التي ترافقه، حتى لا تتحول متعة الكأس المتجددة إلى عبء غذائي يمكن تفاديه.

تحت شعار: «أرا عليها شي برّاد ديال اتاي

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات