كلما أضافت مراكش مؤسسة جديدة إلى نسيجها الحضري، عاد السؤال الذي لا يبدو أن المدينة حسمت فيه بعد: أين ينبغي أن تتمركز هذه المؤسسات، وكيف يمكن استيعاب حركة المرتفقين دون تحويل شوارع المدينة إلى امتداد لاكتظاظها؟ فالمشكل لم يعد مرتبطاً فقط بعدد الإدارات أو بناياتها، وإنما بطريقة توزيعها داخل مجال حضري تتزايد فيه حركة السير وتتقلص فيه هوامش الاستيعاب. والتوجه نحو تشييد محكمة ابتدائية وأخرى للاستئناف بموقع السجن المحلي السابق بولمهارز يقدم مثالاً واضحاً على هذه الإشكالية؛ فالمحور المؤدي إلى الموقع يعرف ضغطاً مرورياً قائماً، فكيف سيكون الوضع مع تدفق أعداد إضافية من المتقاضين والمحامين والموظفين والمرتفقين؟ وأين ستتجه السيارات في منطقة تطرح فيها مسألة الركن تحديات يومية؟
المسألة هنا لا تتعلق بالاعتراض على إحداث مؤسسات قضائية جديدة، فالحاجة إلى تطوير المرفق القضائي لا خلاف حول أهميتها، وإنما تتعلق بضرورة ألا تنفصل القرارات المرتبطة بمواقع المؤسسات عن واقع الشوارع التي تحتضنها. فكل مؤسسة كبرى تعني حركة يومية إضافية، وحاجيات جديدة للركن والولوج والتنقل، وهي اعتبارات لا يمكن التعامل معها باعتبارها تفاصيل ثانوية. وما ينطبق على مشروع بولمهارز ينسحب على النقاش الأوسع حول تمركز الإدارات والمرافق العمومية داخل مراكش، حيث يجد المواطن نفسه مضطراً إلى التنقل بين مواقع متباعدة، فيما تتحمل المحاور الحضرية نصيباً إضافياً من حركة السيارات.
ولعل ما تحتاجه المدينة اليوم هو الخروج من منطق إحداث كل مؤسسة في موقع منفصل، نحو التفكير في قطب إداري متكامل يجمع عدداً من الإدارات والمصالح العمومية داخل فضاء واحد، بعيداً عن المحاور الأكثر اكتظاظاً. فضاء تتوفر فيه مرائب واسعة، وطرق تستوعب حركة الدخول والخروج، ووسائل نقل عمومي منتظمة، بما يختصر على المواطنين مسافات التنقل ويخفف الضغط عن مركز المدينة. وليس المقصود تجميع جميع الإدارات كيفما اتفق، وإنما اختيار المؤسسات القابلة للتجميع وفق طبيعة خدماتها، ضمن مشروع يستند إلى دراسة حقيقية لحاجيات مراكش الحالية والمستقبلية.
وتكشف هذه المعطيات أن النقاش حول القطب الإداري بمراكش يتجاوز مجرد اقتراح تجميع عدد من المؤسسات داخل فضاء واحد، ليطرح إشكالية أوسع تتعلق بمستقبل توزيع المرافق العمومية داخل المدينة، ومدى قدرة الاختيارات العقارية الحالية على مواكبة توسعها الحضري. فبين مشاريع جديدة تستقر داخل نسيج عمراني قائم، وشوارع تواجه تحديات متزايدة في حركة السير والركن، تبرز مفارقة تستحق التأمل: هل يجري التخطيط لمواقع المؤسسات وفق حاجيات المدينة المستقبلية، أم أن المدينة تجد نفسها في كل مرة أمام واقع عمراني جديد يتعين عليها التكيف مع تبعاته؟ وبين هذين التوجهين، يظل نموذج القطب الإداري أحد الخيارات التي تفرض نفسها في النقاش حول مستقبل مراكش، ليس فقط من زاوية تسهيل الخدمات، وإنما أيضاً من زاوية إعادة التوازن إلى مجالها الحضري.