«إما أنا أو المدرب».. إيكر كاسياس وجوزيه مورينيو.. حين وضع «الاستثنائي» أسطورة مدريد على مقاعد البدلاء
إبراهيم باعزيز
كان إيكر كاسياس أحد آخر الأسماء التي يمكن تخيلها خارج التشكيلة الأساسية لريال مدريد. قائد الفريق، ابن النادي، بطل العالم وأوروبا مع إسبانيا، وحارس ارتبط اسمه بأمسيات تاريخية في ملعب سانتياغو برنابيو. لكن في دجنبر 2012، اتخذ جوزيه مورينيو قراراً بدا أقرب إلى كسر أحد المحرّمات داخل النادي الملكي: وضع قائده الأول على مقاعد البدلاء، مفضلاً الحارس الاحتياطي أنطونيو أدان. لم يكن القرار مجرد تغيير في مركز حراسة المرمى؛ فقد فتح جبهة صراع داخل نادٍ اعتاد أن تكون رموزه أكبر من أن تُختبر بهذه الطريقة.
قدّم مورينيو قراره باعتباره اختياراً فنياً خالصاً، مؤكداً أنه يختار اللاعب الذي يراه الأنسب للمباراة، لا الاسم الأكثر شعبية. أما كاسياس، فاختار في البداية خطاباً هادئاً، معلناً احترامه لقرار المدرب وضرورة استعادة ثقته من خلال العمل. لكن خلف هذا الهدوء كانت العلاقة تتجه نحو مزيد من التعقيد. فقد تزامنت الأزمة مع توتر أوسع داخل ريال مدريد، على خلفية صدامات مورينيو مع بعض اللاعبين، وطريقته الحادة في إدارة غرفة الملابس، فضلاً عن أجواء المواجهة المفتوحة مع برشلونة التي امتدت آثارها إلى المنتخب الإسباني، حيث كان كاسياس قائداً إلى جانب لاعبين من الفريقين المتنافسين.
ثم جاءت الإصابة لتمنح الأزمة منعطفاً جديداً. ففي يناير 2013، تعرض كاسياس لكسر في يده اليسرى خلال مباراة في كأس الملك أمام فالنسيا، بعد اصطدام بزميله ألفارو أربيلوا. ومع غيابه، تعاقد ريال مدريد مع دييغو لوبيز قادماً من إشبيلية، وكان يفترض أن يكون بديلاً مؤقتاً، غير أن الحارس الجديد قدم مستويات قوية جعلت عودته إلى التشكيلة الأساسية أمراً صعباً. وعندما تعافى كاسياس، لم يستعد مكانه كما كان متوقعاً؛ فقد أصبح لوبيز الخيار الأول في الدوري، بينما ظل قائد مدريد ينتظر فرصته في المسابقات الأخرى. وهكذا تحولت الإصابة، التي لم تكن جزءاً من الخلاف أصلاً، إلى نقطة غيّرت موازين المنافسة على المركز.
لم تتوقف الحكاية عند حدود التنافس الرياضي. ففي يناير 2013، نشرت صحيفة «ماركا» تقريراً تحدث عن إنذار من كاسياس وسيرخيو راموس لرئيس النادي فلورنتينو بيريز، مفاده أن استمرار مورينيو قد يدفع بعض اللاعبين إلى الرحيل. لكن بيريز خرج علناً لينفي الرواية بشكل قاطع، كما أصدر القائدان بياناً مشتركاً نفيا فيه توجيه أي تهديد أو وضع أي إنذار أمام إدارة النادي. لذلك لم يكن ممكناً اعتبار عبارة «إما مورينيو أو نحن» موقفاً ثابتاً تبناه كاسياس؛ فقد كانت جزءاً من رواية إعلامية مثيرة جرى نفيها رسمياً. ومع ذلك، عكست الضجة حجم الشرخ الذي وصل إليه النادي، بعدما أصبح مستقبل المدرب وعلاقته بلاعبيه موضوعاً يتصدر الصفحات الرياضية.
وفي الأشهر الأخيرة من ولاية مورينيو، ازدادت عزلة كاسياس داخل التشكيلة، حتى إنه لم يخض أي مباراة مع الفريق الأول في آخر خمسة أشهر من موسم 2012-2013، بحسب ما أوردته الصحافة البريطانية آنذاك. ولم يقتصر الأمر على الحارس؛ إذ تحدثت تقارير عن توتر بين المدرب وعدد من اللاعبين، فيما خرجت أصوات من داخل كرة القدم الإسبانية للدفاع عن كاسياس، من بينها تشافي هيرنانديز وبيبي، بينما أشار مدرب المنتخب الإسباني فيسنتي ديل بوسكي لاحقاً إلى الدور الذي لعبه كاسياس في تهدئة التوتر بين لاعبي ريال مدريد وبرشلونة خلال فترة المواجهات الحادة بين الناديين.
غادر مورينيو ريال مدريد في نهاية موسم 2012-2013، لكن رحيله لم يُعد الأمور ببساطة إلى ما كانت عليه. استمر كاسياس مع النادي موسمين إضافيين، قبل أن ينتقل إلى بورتو سنة 2015، منهياً مسيرة طويلة مع الفريق الأول لريال مدريد. وفي السنوات اللاحقة، تحدث الحارس عن شعوره بالأذى من اتهامات بالخيانة وتسريب الأخبار، لكنه أكد أيضاً احترامه لمورينيو، رافضاً اختزال العلاقة كلها في خصومة شخصية. أما المدرب البرتغالي، فظل متمسكاً بمنطقه القائم على أن قرارات التشكيلة لا تخضع للأسماء والتاريخ، بل لما يراه مناسباً للفريق. وهكذا لم تكن المواجهة بين حارس ومدرب فحسب؛ كانت اختباراً لحدود السلطة داخل نادٍ لا يجتمع فيه دائماً تاريخ الأسطورة مع رؤية المدرب. في مدريد، لم ينتصر الصمت على الضجيج، ولم تحسم الألقاب وحدها من كان يملك الكلمة الأخيرة؛ فقد انتهت الحقبة برحيل المدرب، ثم برحيل القائد، وبقيت القطيعة واحدة من أكثر فصول ريال مدريد إثارة للجدل.