«المسيرة الخضراء» في ذكراها الـ51.. 350 ألف متطوع استجابوا لنداء الحسن الثاني وصنعوا منعطفاً في تاريخ المغرب
إبراهيم باعزيز- صحفي متدرب
«شعبي العزيز، غداً إن شاء الله ستخترقون الحدود، غداً إن شاء الله ستنطلق المسيرة، غداً إن شاء الله ستطؤون أرضاً من أراضيكم، وستلمسون رملاً من رمالكم، وستقبلون أرضاً من وطنكم العزيز».
بهذه الكلمات خاطب الملك الراحل الحسن الثاني المغاربة عشية انطلاق المسيرة الخضراء، في خطاب سبق واحداً من أبرز الأحداث التي طبعت التاريخ المغربي الحديث. ففي السادس من نونبر 1975، استجاب 350 ألف متطوع ومتطوعة للنداء الملكي، وتوجهوا نحو الصحراء حاملين الأعلام الوطنية والمصاحف، في تحرك جماهيري سلمي جاء في سياق نهاية الوجود الاستعماري الإسباني، وأصبح لاحقاً محطة مركزية في الذاكرة الوطنية.
رأي لاهاي.. محطة قانونية سبقت المسيرة
لفهم الظروف التي أحاطت بتنظيم المسيرة، تبرز أهمية التطورات القانونية والسياسية التي سبقتها. ففي 16 أكتوبر 1975، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري بشأن الصحراء، بعدما طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة تحديد طبيعة الروابط القانونية التي كانت قائمة بين الإقليم وكل من المغرب وموريتانيا قبل الاستعمار الإسباني. وأقرت المحكمة بوجود روابط ولاء قانونية بين سلطان المغرب وبعض القبائل التي كانت تعيش في الإقليم، كما تناولت روابط تاريخية مع الكيان الموريتاني، لكنها لم تعتبر تلك الروابط دليلاً على السيادة الإقليمية، وأكدت ضرورة التعبير الحر والحقيقي عن إرادة سكان الإقليم في إطار مبدأ تقرير المصير.
وفي اليوم نفسه، أعلن الحسن الثاني تنظيم المسيرة الخضراء، لتنتقل القضية إلى مرحلة جديدة من التحرك الشعبي، بالتوازي مع المساعي السياسية والدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الوجود الإسباني. وكان الرهان المغربي يقوم على تعبئة جماهيرية منظمة، تحمل رسالة سياسية واضحة، في ظرف دولي وإقليمي بالغ الحساسية.
350 ألف متطوع.. من النداء إلى العبور
في الخامس من نونبر 1975، وجّه الملك الحسن الثاني خطاباً إلى المتطوعين، دعاهم فيه إلى الالتزام بالنظام والانضباط واحترام الطابع السلمي للمسيرة. وفي اليوم الموالي، انطلقت التعبئة الميدانية بمشاركة 350 ألف مغربي ومغربية، من بينهم 35 ألف امرأة وفق المعطيات الرسمية المغربية، قدموا من مختلف جهات المملكة، حاملين المصاحف والأعلام الوطنية.

ولم تكن أهمية هذا التحرك مرتبطة بحجمه العددي وحده، بل بطبيعة التنظيم الذي أحاط به، وبمشاركة فئات اجتماعية ومناطقية متعددة في حدث واحد. فقد تحرك المتطوعون وفق ترتيبات ميدانية ولوجستية مسبقة، مع التأكيد على عدم حمل السلاح، بما جعل المسيرة نموذجاً لتعبئة شعبية سلمية وظفتها الدولة المغربية في سياق سياسي ودولي معقد.
وفي التاسع من نونبر، دعا الحسن الثاني المشاركين إلى العودة، معلناً انتهاء المهمة الميدانية للمسيرة. غير أن عودة المتطوعين لم تكن نهاية الملف، بل بداية مرحلة تفاوضية جديدة، ارتبطت بترتيبات الانسحاب الإسباني والتطورات التي أعقبتها.
إعلان مدريد.. نهاية الوجود الإسباني وبداية مرحلة جديدة
في 14 نونبر 1975، وقّعت إسبانيا والمغرب وموريتانيا إعلان مبادئ مدريد، الذي نص على إنهاء المسؤوليات والسلطات الإسبانية في الإقليم، وإقامة إدارة مؤقتة بمشاركة المغرب وموريتانيا، بالتعاون مع الجماعة الصحراوية. وحدد الإعلان موعداً أقصى لإنهاء الوجود الإسباني في 28 فبراير 1976، لتدخل المنطقة مرحلة انتقالية اتسمت بتعقيدات سياسية وميدانية لم تنته بتوقيع الوثيقة.

وفي 26 فبراير 1976، أعلنت إسبانيا إنهاء وجودها الاستعماري وانسحاب قواتها من الإقليم. ثم جاءت محطة وادي الذهب في 14 غشت 1979، بعد تخلي موريتانيا عن مطالبها في المنطقة، وفق التسلسل التاريخي الذي يستحضره المغرب ضمن مسار وحدته الترابية.
لكن نهاية الوجود الاستعماري الإسباني لم تؤد إلى تسوية نهائية للنزاع؛ إذ استمر الخلاف بين الأطراف، وانتقل الملف إلى مسارات إقليمية ودولية متشابكة. وفي سنة 1991، أُنشئت بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «المينورسو»، في إطار خطة التسوية الأممية التي ارتبطت بوقف إطلاق النار والتحضير لاستفتاء لم يُنفذ، لتظل القضية حاضرة في أجندة الأمم المتحدة على مدى عقود.
شهادات المتطوعين.. ذاكرة تتجاوز الوثائق
إلى جانب القرارات والاتفاقيات، تحتفظ المسيرة بمكانتها في ذاكرة المشاركين الذين عاشوا تفاصيلها، من الاستعداد والسفر إلى لحظة الوصول والعودة. وتكتسب شهادات المتطوعين القادمين من مناطق مختلفة، من بينها ورزازات وتنغير والرشيدية، أهميتها من كونها تنقل الحدث من مستوى الأرقام والروايات الرسمية إلى التجربة الإنسانية المباشرة.
فقد اختلفت ظروف المشاركة باختلاف المناطق والأفراد، وتباينت تفاصيل الرحلة والاستعداد، لكن تلك التجارب التقت في الانخراط في حدث وطني استثنائي. ومن هنا تبرز أهمية توثيق الشهادات بأسماء أصحابها وتواريخها وتفاصيلها، حتى تحفظ الذاكرة تعدد التجارب الفردية، ولا تختزل في رواية عامة لا تعكس بالضرورة اختلاف ما عاشه المشاركون.
التنمية في الجنوب.. حصيلة تتجاوز أرقام المشاريع
على امتداد العقود الماضية، شهدت الأقاليم الجنوبية تحولات في مجالات البنية التحتية والاقتصاد والخدمات، شملت توسيع شبكات الطرق والموانئ والمطارات، والاستثمار في قطاعات الطاقة والتعليم والصحة، إلى جانب مشاريع تروم تعزيز الربط اللوجستيكي وتحفيز النشاط الاقتصادي.
وفي هذا السياق، أطلق المغرب سنة 2015 النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، بغلاف مالي معلن بلغ 77 مليار درهم، بهدف تطوير البنيات الأساسية وتحفيز الاستثمار وإحداث فرص الشغل وتحسين ظروف عيش السكان. غير أن تقييم هذه الحصيلة لا ينبغي أن يتوقف عند عدد المشاريع أو حجم الاعتمادات المرصودة، بل يتطلب قياس أثرها الفعلي على فرص العمل وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، ومدى استفادة الساكنة من الاستثمارات، وقدرتها على تقليص الفوارق المجالية.
الذكرى الـ51.. ملف الصحراء أمام تحولات دولية
تحل الذكرى الحادية والخمسون للمسيرة الخضراء في السادس من نونبر 2026، في سياق دولي يشهد تطورات متصلة بالمسار الأممي للملف. فقد انتهت ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «المينورسو» في 31 أكتوبر 2026، عقب تعثر مجلس الأمن في اعتماد قرار جديد بشأن تمديدها، بعد استخدام روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي وعدم حصول المشروع الروسي البديل على الأصوات اللازمة.
ويفتح هذا التطور مرحلة من عدم اليقين بشأن مستقبل آليات الحضور الأممي في الإقليم، لكنه لا يعني، في حد ذاته، تسوية النزاع أو حسم وضعه القانوني والسياسي. فالملف لا يزال مرتبطاً بمسار سياسي أممي، وبمواقف الأطراف المعنية، وبالنقاش المستمر حول أسس التسوية الممكنة، بما فيها مقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب.
من ذاكرة 1975 إلى أسئلة 2026
بين نداء الحسن الثاني في نونبر 1975 والذكرى الحادية والخمسين سنة 2026، تعاقبت محطات سياسية ودبلوماسية وميدانية أعادت تشكيل مسار القضية، من إعلان مدريد وانسحاب إسبانيا إلى المساعي الأممية والتحولات التي عرفتها المنطقة. وظلت المسيرة، بما صاحبها من تعبئة شعبية واسعة، إحدى أبرز المحطات التي يستحضرها المغرب عند قراءة تاريخه المعاصر.
وبعد مرور أكثر من نصف قرن، تكتسب هذه الذكرى قيمتها من قدرتها على فتح المجال أمام قراءة موثقة للتاريخ، تحفظ شهادات المشاركين وتضع الوقائع في سياقاتها، بعيداً عن التكرار أو الاختزال. فالمسيرة حدث وقع في زمن محدد، لكن فهمه يظل مرتبطاً بما أعقبه من تحولات، وبالأسئلة التي لا يزال ملف الصحراء يطرحها في الحاضر.