«إما أنا أو المدرب».. زلاتان إبراهيموفيتش وبيب غوارديولا.. حين تحوّلت صفقة الأحلام إلى واحدة من أشهر القطيعات في برشلونة
إبراهيم باعزيز
46 مليون يورو وصامويل إيتو في الاتجاه المعاكس.. موسم واحد كان كافياً لتحويل زلاتان من صفقة تاريخية إلى خصم علني لمدربه، في مواجهة كشفت أن النجومية وحدها لا تضمن مكاناً داخل مشروع غوارديولا.
كان زلاتان إبراهيموفيتش يتوقع أن يدخل برشلونة من الباب الذي يليق بنجم اعتاد أن تكون الأندية مستعدة لبناء مشاريعها حوله. ففي 27 يوليوز 2009، أعلن النادي الكتالوني ضمه من إنتر ميلان مقابل 46 مليون يورو، مع انتقال صامويل إيتو إلى الفريق الإيطالي في الاتجاه المعاكس. لم تكن صفقة عادية؛ برشلونة، بطل أوروبا وصاحب السداسية التاريخية، كان يبحث عن مهاجم يمنح خطه الأمامي قوة مختلفة، فيما جاء المهاجم السويدي إلى «كامب نو» محمّلاً بصورة اللاعب الذي لا يقبل أن يكون تفصيلاً في أي مشروع. غير أن ما لم يكن ظاهراً في لحظة التقديم، أن التحدي الأكبر لن يكون أمام مدافعي إسبانيا، بل داخل المنظومة التي يقودها بيب غوارديولا.
في البداية، بدا أن الرهان يسير في الاتجاه الصحيح. خاض إبراهيموفيتش موسماً أول سجل خلاله 21 هدفاً في 45 مباراة رسمية مع برشلونة، وأسهم في إحراز لقب الدوري الإسباني، إلى جانب ألقاب أخرى. لكن الأرقام لم تكن كافية لحماية موقعه من التحولات التي طرأت على طريقة لعب الفريق. فقد طلب ليونيل ميسي، وفق رواية زلاتان في سيرته الذاتية، اللعب في العمق الهجومي بدلاً من الجهة اليمنى، وهو ما غيّر توزيع الأدوار في الخط الأمامي، ودفع المهاجم السويدي إلى الابتعاد عن المساحة التي اعتاد التحرك فيها. ومن وجهة نظره، لم يعد غوارديولا يتعامل معه باعتباره المهاجم الذي جرى التعاقد معه ليقود الهجوم، بل لاعباً مطالباً بالتكيف مع منظومة تتشكل حول ميسي. وهنا بدأ الشرخ بين تصور اللاعب لدوره وبين الخيارات التكتيكية للمدرب.
لم يكن التراجع في الحضور داخل التشكيلة هو ما أثار غضب إبراهيموفيتش وحده؛ بل ما وصفه بصمت غوارديولا وابتعاده عنه في مرحلة كان ينتظر فيها تفسيراً مباشراً لما يحدث. وفي غشت 2010، أعلن اللاعب أن التواصل بينهما انقطع تقريباً خلال الأشهر الستة السابقة، بينما اختار المدرب عدم الخوض علناً في تفاصيل العلاقة، مكتفياً بالإشارة إلى أن للصمت أسباباً لا يرغب في كشفها. وبينما كان زلاتان يبحث عن إجابة، كان برشلونة قد تعاقد مع دافيد فيا، في خطوة زادت المنافسة على المراكز الهجومية وضيّقت هامش المناورة أمام السويدي. لم يعد الخلاف، وفق ما تكشفه تصريحات الطرفين، مجرد اختلاف في قراءة مباراة أو اختيار لاعب؛ لقد أصبح أزمة تواصل وثقة داخل فريق لا يحتمل أن تتحول غرفة ملابسه إلى مركز نفوذ موازٍ للمدرب.
وجاءت اللحظة الأكثر صخباً بعد إقصاء برشلونة أمام إنتر ميلان في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا سنة 2010، حين روى إبراهيموفيتش في سيرته الذاتية أنه انفجر في وجه غوارديولا داخل غرفة الملابس، وصرخ في وجهه بعبارات قاسية، من بينها أنه لا يملك الشجاعة لمواجهته، قبل أن يوجه ضربة إلى صندوق معدني، بحسب روايته. وأضاف أن المدرب لم يدخل معه في مواجهة كلامية، بل غادر المكان دون رد. لم تكن تلك التفاصيل تسجيلاً مستقلاً لما جرى خلف الأبواب المغلقة، بل شهادة زلاتان نفسه، الذي استعاد الواقعة بعد سنوات، وجعل منها أحد أكثر فصول تجربته مع برشلونة تداولاً. ومع ذلك، فإن صمت غوارديولا العلني عن الرد بالمستوى نفسه لم ينهِ الجدل، بل ترك الرواية السويدية تتصدر المشهد، وأبقى الخلاف حاضراً في ذاكرة جمهور الكرة الأوروبية.
في 28 غشت 2010، انتهت التجربة عملياً بإعارة إبراهيموفيتش إلى ميلان لموسم واحد، مع أحقية النادي الإيطالي في شراء عقده مقابل 24 مليون يورو. وبعد عام واحد، استقر انتقاله إلى ميلان بصورة نهائية، لتصبح صفقة برشلونة محطة قصيرة في مسيرة مهاجم تنقل بين أكبر الأندية الأوروبية. والمفارقة أن زلاتان لم يغادر خالي الوفاض؛ فقد ساهم في تتويج برشلونة بالدوري الإسباني، وسجل أهدافاً مهمة، لكنه لم يجد في المشروع المكانة التي كان يتوقعها. أما غوارديولا، فواصل قيادة الفريق نحو الألقاب، من دون أن تتحول القطيعة إلى مصالحة معلنة تعيد العلاقة إلى ما كانت عليه.
ما يجعل هذه القصة أكبر من خلاف عابر هو أنها وضعت نموذجين متناقضين للسلطة الكروية في مواجهة مباشرة. إبراهيموفيتش، بنزعته الفردية وثقته الاستثنائية بنفسه، رأى أن قيمته وقدراته تستحقان دوراً مركزياً؛ وغوارديولا، الذي بنى مشروع برشلونة على الانضباط الجماعي وتوزيع الأدوار، لم يكن مستعداً لتغيير فلسفته لإرضاء لاعب مهما كان اسمه. لم يكن أحد الطرفين مضطراً إلى إعلان شعار «إما أنا أو المدرب» حتى تختصر العبارة جوهر الأزمة؛ فقد حسمت الوقائع مسارها: لاعب لم يقبل أن يتراجع عن مركزه، ومدرب لم يتخلَّ عن تصوره للفريق. وبينهما انتهت واحدة من أغلى الصفقات في تاريخ برشلونة قبل أن تتحول إلى شراكة طويلة، وبقيت حكاية تذكّر بأن امتلاك الموهبة لا يعني بالضرورة امتلاك مفاتيح غرفة الملابس.