إبراهيم باعزيز
قد تبدو كأس الكحول، في نظر بعض مستهلكيها، لحظة عابرة من المتعة أو وسيلة للهروب المؤقت من الضغوط اليومية، غير أن تأثيرها يتجاوز بكثير حدود تلك اللحظة. فالإيثانول، وهو المركب المسؤول عن التأثير الكحولي في المشروبات، مادة سامة ذات تأثير نفسي وعصبي، قادرة على إحداث تغييرات مباشرة في وظائف الدماغ، وإضعاف التركيز والتوازن وسرعة الاستجابة والقدرة على اتخاذ القرار. ومع ارتفاع الكمية المستهلكة، تتزايد احتمالات فقدان السيطرة والتسمم الحاد، الذي قد يصل في الحالات الشديدة إلى تهديد الحياة.
وتتسع دائرة الأضرار كلما تحول الاستهلاك إلى سلوك متكرر؛ إذ يتحمل الكبد، باعتباره العضو الرئيسي المسؤول عن استقلاب الكحول، جانباً كبيراً من العبء، وقد يؤدي التعرض المستمر له إلى تراكم الدهون والتهاب الكبد، ثم التليف ومضاعفات أكثر خطورة. ولا تقف التأثيرات عند هذا الحد، بل تمتد إلى الجهازين القلبي والعصبي، وترتبط باضطرابات نفسية وسلوكية، فضلاً عن زيادة مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة. وهكذا، قد تتحول عادة يُنظر إليها باعتبارها اختياراً شخصياً إلى مسار صحي تتراكم تبعاته مع مرور الوقت.
ومن أخطر المعطيات التي تكشفها الأبحاث الطبية ارتباط الكحول بالسرطان؛ فقد صنفته الوكالة الدولية لأبحاث السرطان مادة مسرطنة مؤكدة لدى البشر، وأثبتت الأدلة العلمية علاقته السببية بسبعة أنواع من السرطان، تشمل سرطانات الفم والبلعوم والحنجرة والمريء والكبد والقولون والمستقيم، إضافة إلى سرطان الثدي لدى النساء. ولا يرتبط هذا الخطر بنوع محدد من المشروبات، إذ إن المادة المسؤولة عن التأثير هي الإيثانول، فضلاً عن مركبات ضارة تنتج عن تفكيكه داخل الجسم. كما تشير الأدلة إلى أن مخاطر الإصابة ترتفع مع زيادة الاستهلاك، وإن كانت بعض المخاطر قائمة حتى عند مستويات منخفضة.
وعلى المستوى العالمي، تعكس الأرقام حجم الكلفة البشرية لهذه المادة؛ فقد قدرت منظمة الصحة العالمية الوفيات المنسوبة إلى استهلاك الكحول بنحو 2.6 مليون وفاة خلال سنة 2019، كما أفادت بأن حوالي 400 مليون شخص ممن تبلغ أعمارهم 15 سنة فما فوق كانوا يعانون اضطرابات مرتبطة باستعماله، من بينهم نحو 209 ملايين شخص يعيشون مع الاعتماد على الكحول. ولا تقتصر هذه الحصيلة على الأمراض، بل تشمل أيضاً الوفيات الناجمة عن الإصابات وحوادث السير وغيرها من الأضرار التي قد تطال أشخاصاً لا يستهلكون الكحول أصلاً، لكنهم يجدون أنفسهم ضحايا لتبعاته.
أما اجتماعياً، فتتجاوز فاتورة الكحول الشخص المستهلك لتصل إلى محيطه الأسري والمهني والإنساني. فاختلال القدرة على التقدير وضبط السلوك قد يرفع احتمالات الحوادث والنزاعات والعنف، فيما يمكن أن يؤدي الاعتماد عليه إلى تراجع الأداء المهني واضطراب العلاقات الأسرية وتزايد الأعباء المالية والنفسية. وفي هذا السياق، تظل معالجة اضطرابات استعمال الكحول مسألة صحية تستوجب التشخيص والمواكبة والعلاج، بعيداً عن الوصم أو اختزالها في ضعف الإرادة، مع أهمية الوقاية والتوعية والتدخل المبكر.
إن خطورة الكحول لا تكمن فقط في لحظة فقدان الوعي أو حادث مأساوي قد يتصدر الأخبار، بل في الأضرار التي قد تتشكل بصمت، وتمتد آثارها إلى سنوات من حياة الفرد وأسرته ومجتمعه. وبين متعة مؤقتة وتبعات صحية واجتماعية قد تكون دائمة، يصبح الوعي بالمخاطر ضرورة لحماية الأرواح، لا مجرد دعوة عابرة إلى تغيير السلوك.
تحت شعار: «المتعة العابرة قد تنتهي.. لكن ثمن الكحول قد يستمر».