Preloader Image
news خبر عاجل
clock
«سيرك المغارف».. كيف تحولت موائد الفطور في مراكش إلى خلطات ولهجة ومطبّلة للتذوق

«سيرك المغارف».. كيف تحولت موائد الفطور في مراكش إلى خلطات ولهجة ومطبّلة للتذوق

إبراهيم باعزيز

هناك فرق بين أن تطبخ وجبة، وأن تطبخ مدينة كاملة. الأولى تحتاج إلى مكونات، أما الثانية فتحتاج إلى كاميرا، ومغرفة، وخلطات لا تنتهي: أملو فوق الرايب، وبيصارة بالبيض المقلي، ولوبيا بالبيض، وبيض بالعسل، ثم «تعواج الهضرة» وجرعة غير قليلة من الثقة.


فجأة يصبح الصحن مسرحاً، والمغرفة بطلاً، والسكب فقرة استعراضية، والخلطة التي ظهرت أمام الكاميرا قابلة لأن تُقدَّم باعتبارها صورة عن مراكش. وهنا تحديداً يبدأ السؤال الحقيقي: من أين جاءت هذه الوصفات؟ وهل تُعرف في الموروث الغذائي المحلي بهذا الشكل؟ وهل يكفي أن تُقدَّم أمام الكاميرا حتى تنتقل من تجربة شخصية إلى عنوان للمطبخ المراكشي؟ أم أننا وصلنا إلى مرحلة يستطيع فيها الترند أن يخترع الوصفة، ثم يبحث لها عن هوية؟


المشكلة ليست في الابتكار. المطبخ بطبيعته يتطور، والوصفات تتغير، والناس تجرب وتخلط وتضيف وتحذف. لكن هناك فرقاً شاسعاً بين ابتكار وصفة جديدة، وبين تقديمها كما لو أنها امتداد طبيعي لموروث مدينة بأكمله. فالطبق الجديد يملك حق الوجود، لكنه لا يملك تلقائياً شهادة نسب ثقافية.


خذوا مثلاً أملو والرايب. أملو وصفة معروفة تقوم أساساً على مكونات من بينها زيت الأركان واللوز والعسل، بينما الرايب منتج من الحليب. جمعهما في طبق واحد قد يكون تجربة ذوقية أو ابتكاراً شخصياً، ولا مشكلة في ذلك. لكن تحويل هذه التجربة مباشرة إلى جزء من «المطبخ المراكشي» يحتاج إلى أكثر من مغرفة وكاميرا ومشاهدات.


وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل نحن أمام تجديد حقيقي للمطبخ المحلي، أم أمام وصفات تُصنع أولاً من أجل الصورة، ثم تبحث بعد ذلك عن هوية تنتمي إليها؟


المثير للسخرية أن الابتكار لا يبدو أحياناً هو الهدف الوحيد، بل إن المطلوب يتحول إلى إبهار العين بأي ثمن: مغارف معلقة، سكب يتجاوز الأواني، مزج متواصل، وكميات من المكونات تتداخل أمام العدسة حتى يبدو الصحن كأنه ورشة مفتوحة بلا نهاية.


لا أحد يصادر حق أي شخص في أن يأكل أو يخلط أو يبتكر كما يشاء. لكن الابتكار شيء، ونسبة الابتكار إلى مدينة شيء آخر تماماً. يمكن استلهام أساليب الفرجة من فيديوهات أكل الشوارع في الهند أو غيرها؛ فالمنصات الرقمية جعلت طرق العرض تنتقل من بلد إلى آخر في ثوانٍ. لكن تقليد طريقة السكب لا يجعل الوصفة مراكشية، والمغرفة لا تمنح الطبق شهادة أصالة، وكثرة الخلط لا تتحول فجأة إلى بحث في الموروث الغذائي.


وإلا فسنحتاج قريباً إلى «مصلحة تسجيل الخلطات» حتى نعرف أي طبق وُلد في المطبخ، وأي طبق وُلد أمام الكاميرا.


ثم تأتي الحكاية الأكثر طرافة: حين لا يكفي «عك» الطبق، فيضاف إليه «عك» في الكلام. تعواج في النبرة، وتصغير مبالغ فيه للكلمات، وعبارات من قبيل «سمينة» و«زبيدة» و«عسيلة» و«جبينة» و«زويتة»، ثم أصوات ومؤثرات وحركات، حتى يصبح الفيديو حفلة أداء كاملة.


وهنا السؤال الذي قد يزعج البعض: واش هادي المراكشية ولا شخصية مراكشية مصنوعة للكاميرا؟ هل أصبحت اللهجة تُؤدّى بدل أن تُعاش؟ وهل كلما زاد تعواج الكلام اقتربنا أكثر من روح مراكش؟


اللهجة ليست زياً يُرتدى أمام الكاميرا، والهوية ليست مؤثراً صوتياً، ومراكش ليست شخصية تحتاج إلى أداء حتى يصدق المشاهد أنها مراكش. استعمال اللهجة المراكشية في تقديم الطعام ليس المشكلة؛ المشكلة تبدأ حين تتحول اللهجة نفسها إلى «إكسسوار» للفرجة، وحين يصبح التصنع هو الطريق المختصر إلى صناعة صورة نمطية عن المدينة.


ومن حق أي شخص أن يختار أسلوبه في تقديم تجربته، لكن من حق المتلقي أيضاً أن يميز بين العفوية والأداء المصمم خصيصاً لإنتاج «البهجة» والانتشار. فليس كل ما يثير الضحك أو يجذب المشاهدة يعكس بالضرورة ثقافة المدينة التي وُضع اسمها في الواجهة.


أما «مطبّلة التذوق»، فتأتي لتمنح العرض ختمه النهائي: مديح متواصل، وانبهار دائم، وكأن الملعقة لا تستطيع أن تعثر على عيب واحد.


وهنا لا يتعلق الأمر بالمطالبة بأن يتحول كل تذوق إلى محاكمة للطبق، بل بالسؤال عن معنى التقييم أصلاً. فإذا كان كل شيء رائعاً، فأين التقييم؟ وإذا كان كل طبق يستحق الإشادة، فأين النقد؟ وإذا كان الاعتراض غائباً باستمرار، فما الذي يفصل المراجعة عن صناعة الانطباع؟


لا يصح اتهام أي شخص بالترويج دون معطيات، ولا يجوز بناء اتهام على مجرد أسلوب في التذوق. لكن السؤال المهني يبقى مشروعاً: ماذا يتلقى المشاهد فعلاً؟ رأياً صريحاً في الطعام، أم فرجة غذائية مكتملة العناصر، يكون فيها المديح جزءاً من العرض؟


المشكلة هنا ليست في مغرفة، ولا في خلطة، ولا في لهجة، ولا حتى في طبق غريب. المشكلة تبدأ عندما تتراكم هذه العناصر كلها، ثم يُقدَّم الناتج وكأنه صورة عن مدينة بأكملها.


مراكش أكبر من مغرفة تتأرجح أمام الكاميرا، وأعمق من تعواج الهضرة، وأغنى من أن تختزل هويتها الغذائية في خلطة عابرة أو طريقة سكب مستنسخة من ترند عالمي.


ابتكروا كما تشاؤون. اخلطوا كما تشاؤون. قدموا الطعام بالطريقة التي تناسبكم. لكن اتركوا للموروث حقه في أن يُعرَّف كما هو، واتركوا للمتلقي حقه في أن يعرف أين تنتهي الوصفة التقليدية وأين تبدأ التجربة الشخصية.


لا تجعلوا الترند يكتب تاريخ المائدة، ولا تجعلوا الكاميرا تعيد اختراع اللهجة، ولا تجعلوا المديح الدائم بديلاً عن التذوق الحقيقي.


لأن المشكلة ليست أن يخرج طبق غريب من مطبخ أحدهم؛ المشكلة أن يخرج الطبق نفسه، ومعه ادعاء ضمني بأن مراكش هي التي طبخته.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات