Preloader Image
news خبر عاجل
clock
«حاكم لازون».. حين لا تكفي جرأة الكلمات الزنقاوية لتعويض حدود السيناريو الكوميدي

«حاكم لازون».. حين لا تكفي جرأة الكلمات الزنقاوية لتعويض حدود السيناريو الكوميدي

في الكوميديا، ليست الجرأة في أن تقول كل شيء، بل في أن تعرف ماذا تقول، ومتى تقوله، ولماذا يحتاجه المشهد أصلاً. ومن هذه الزاوية، يترك فيلم «حاكم لازون» انطباعاً نقدياً يستحق التوقف عنده: فكرة تحمل إمكانات كوميدية واضحة، مقابل تنفيذ لا ينجح دائماً في تحويل تلك الإمكانات إلى بناء سينمائي متماسك. فهل تكفي الكلمات الزنقاوية، مهما بلغت جرأتها، لصناعة الضحكة؟ أم أن الكوميديا تحتاج قبل كل شيء إلى سيناريو يعرف كيف يبني المفارقة، ويصنع الإيقاع، ويمنح كل كلمة وظيفتها داخل المشهد؟


المشكلة هنا ليست في استعمال اللغة الجريئة في حد ذاتها، ولا في الاقتراب من قاموس الشارع، فذلك يمكن أن يكون اختياراً فنياً مشروعاً حين يكون منسجماً مع الشخصية والسياق واللحظة الدرامية. لكن بعض العبارات في الفيلم قد تجعل المشاهد يتساءل: هل كانت ضرورية فعلاً؟ وهل كان المشهد سيخسر شيئاً لو غابت؟ ففي بعض المواضع، يبدو أن الكلمات الزنقاوية تتقدم على الضرورة الدرامية، وكأن الطريق الأقصر إلى الضحكة هو رفع سقف التعبير، بينما السؤال الأصعب يبقى: هل كُتبت النكتة جيداً أصلاً؟ وهنا تحديداً تصبح الجرأة أقل إثارة للإعجاب من قدرتها على خدمة المشهد.


أما السيناريو، وهو العمود الذي يفترض أن يحمل الفكرة من الورق إلى الشاشة، فيترك في عدد من مفاصله إحساساً بأن الفكرة كانت تستحق معالجة أكثر إحكاماً. فالمتلقي لا يحتاج فقط إلى فكرة تضحكه، بل إلى حكاية تقوده، وشخصيات تقنعه، وحوار يخرج من طبيعة المواقف لا من الرغبة في صناعة ضحكة سريعة. ومن هنا قد يخرج المشاهد بانطباع ساخر لكنه مشروع نقدياً: تذكرة الدخول سينمائية، لكن بعض تفاصيل الكتابة تبدو أقرب إلى إيقاع السيتكوم. والسؤال المحرج الذي يفرض نفسه ليس هل الفيلم جريء، وإنما هل كانت الجرأة نفسها جزءاً من البناء الكوميدي أم أصبحت أحياناً بديلاً عنه؟


ويزداد النقاش تعقيداً عند مستوى الأداء، خصوصاً في بعض المشاهد التي قد يشعر فيها المتلقي بأن الممثل يؤدي الدور أكثر مما يختفي داخله. أي أن حضور فعل التمثيل يصبح أوضح من حضور الشخصية نفسها، فيفقد المشاهد جزءاً من ذلك الوهم الجميل الذي تجيده السينما حين تجعلك تنسى للحظات أنك أمام ممثل وتجعلك تصدق أنك أمام شخصية حقيقية. وهذا لا يتعلق بقيمة الأسماء المشاركة ولا بتاريخها الفني، وإنما بمدى نجاح الأداء داخل هذا العمل تحديداً في خلق الشخصيات وإقناع المتلقي بها. كما أن بعض اختيارات الحوار قد لا تجعل الفيلم خياراً مريحاً لكل مشاهدة عائلية، خصوصاً لمن يفضلون مشاهدة جماعية أكثر تحفظاً، وهي مسألة مرتبطة بطبيعة المحتوى واختياراته الفنية لا بحكم أخلاقي عليه.


وفي قاعة العرض نفسها، كان لافتاً بالنسبة إلى هذا المشاهد أن بعض المتفرجين غادروا قبل نهاية الفيلم أو أثناء عرضه، وهي ملاحظة من تجربة مشاهدة لا تصلح وحدها لإصدار حكم على العمل أو على الجمهور. لكنها تفتح سؤالاً أكبر: ماذا يريد المتفرج المغربي اليوم من الكوميديا؟ هل يريد فقط أن يسمع ما قد لا يقال في الحياة اليومية، أم يريد أيضاً أن يرى كيف تتحول تلك الجرأة إلى بناء فني متكامل؟ فالجمهور ليس مجرد متلقٍ ينتظر كلمة جريئة كي يضحك؛ إنه، هو الآخر، «فنان في فرجته»، يلتقط الإيقاع، ويميز بين الضحكة التي ولدت من داخل المشهد والضحكة التي يُطلب منه أن يمنحها للمشهد.


وفي النهاية، ربما يكون أكثر ما يستحق النقاش في «حاكم لازون» هو أن الفكرة تبدو أكبر من بعض اختيارات تنفيذها. فالكوميديا لا تُقاس بعدد الكلمات الجريئة، ولا بمدى الاقتراب من قاموس الشارع، وإنما بقدرة العمل على تحويل كل ذلك إلى تجربة سينمائية لها إيقاعها وشخصياتها ومفارقاتها وضحكتها. وربما هنا يكمن السؤال الأكثر إحراجاً للفيلم، والأكثر فائدة للنقاش حوله: إذا كانت الجرأة حاضرة، والكلمات الزنقاوية حاضرة، والفكرة حاضرة، فما الذي كان ينقص حتى تكتمل الضحكة؟ لأن احترام الجمهور لا يعني أن نبتعد عن الجرأة، بل يعني أن نمنح الجرأة سبباً فنياً يجعلها تستحق أن تكون على الشاشة.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات