إبراهيم باعزيز
في دينامية المؤسسات، لا توجد آفة أشد فتكاً بالإنتاج من “الموظف المتكاسل” الذي يختبئ خلف الأقدمية ليبرر عطالته الذهنية؛ ذلك النوع الذي لا ينتج فكرة، ولا يطور أداة، لكنه يملك طاقة استثنائية في فرملة عجلات القطار السائر. الكسل هنا ليس مجرد رغبة للراحة، بل هو تركيبة نفسية معقدة تجعل صاحبها يستثقل نقرة زر، ويتأفف من أبسط مهمة وظيفية، مفضلاً وضع العراقيل في طريق المجتهدين حتى يتساوى الجميع في مستنقع الركود.
المفارقة الكبرى تتجلى في مستوى الفهم والتفاعل؛ فبينما تقول الحكمة الشعبية الراسخة إن «الحر بالغمزة والعبد بالدبزة»، تجد هؤلاء محصنين ضد كل أشكال الإشارات اللبقة والتنبيهات المهنية الراقية. لا تنفع معهم لغة التلميح، ولا احترام التراتبية، ولا حتى التوجيه المباشر؛ وكأن على الإدارة وفريق العمل أن يخوضوا معركة استنزاف يومية لإقناعهم بالقيام بما يتقاضون عليه أجراً، مؤكدين المأثور الدارج بأن «التكرار كيعلم الحمار»، مع فارق شاسع، وهو أن الكائن الصبور يتعلم في النهاية، بينما الكسول المتكلس يزداد تعنتاً وبلادة في استقبال التعليمات وتطبيقها.
هذا العجز المقنع يتحول مع الوقت إلى ممارسة “سلطوية بالوكالة”؛ فالشخص الذي يعلم في قرارة نفسه أنه عالة على بيئة العمل، يستغل المنصب أو لوحة التحكم ليمارس نوعاً من الابتزاز السلوكي الصامت: يتجاهل الرسائل، يسقط المواد عمداً، ويحجب المجهودات المتعوب عليها بدعاوى واهية. إنه يرى في نشاط زملائه وحيويتهم مرآة تفضح كسله وخموله الممتد، لذلك لا يجد عزاءً إلا في إقصاء عمل الآخرين وتخريب جاهزيته، موهماً نفسه بأنه “يقرر”، بينما الحقيقة أنه يعطل ما عجز عن مجاراته أو فهمه.
المسار المهني الحقيقي لا يُبنى بالنوم على أمجاد البدايات، ولا بالاسترخاء المفتوح في مكاتب العمل المكيفة. المؤسسات تصنعها الأقلام التي لا تجف، والزنود التي لا تكل في الميدان، أما من يحتاج إلى ألف تذكير ليقوم بنصف مهمة، فلن تصنع منه الأيام سوى رقم مهمل في هامش التجربة؛ فالكفاءة تُثبت بالعطاء والاستجابة السريعة، وليست بالتقاعس وراء الشاشات وانتظار الصدمات لكي يتحرك.