Preloader Image
news خبر عاجل
clock
د.هند الكرماعي خليل: مع عودة التلاميذ إلى الأقسام.. «دفتر التلقيح» قد يسبق «باب المستعجلات»

د.هند الكرماعي خليل: مع عودة التلاميذ إلى الأقسام.. «دفتر التلقيح» قد يسبق «باب المستعجلات»

إبراهيم باعزيز


الدفتيريا لا تمنح دائماً وقتاً للتردد.. دقائق أمام دفتر التلقيح قد تكون أهم من ساعات لاحقة أمام أبواب المستعجلات


قد تبدو مراجعة دفتر التلقيح مهمة عادية لا تستحق أكثر من دقائق قليلة، لكنها مع عودة الأطفال إلى الأقسام تصبح خطوة وقائية تستحق أن تستعيد مكانها ضمن أولويات الأسر. ففي المدرسة، لا يتقاسم الأطفال المقاعد والسبورات فقط، بل يتقاسمون فضاءً ولساعات طويلة، يتحدثون ويلعبون ويتقاربون، فيما يصبح السعال والعطس والاحتكاك اليومي جزءاً من المشهد الطبيعي للحياة المدرسية.


وفي هذا الفضاء، تعود الوقاية من الأمراض المعدية إلى الواجهة، ومن بينها الدفتيريا، أو ما يعرف بـ«الخناق»، وهي عدوى بكتيرية يمكن الوقاية منها بالتلقيح، لكنها قد تصبح خطيرة عندما تتطور الإصابة وتظهر مضاعفاتها.


وفي هذا السياق، تطرح الدكتورة هند الكرماعي خليل، طبيبة مختصة في البيولوجيا الطبية ومديرة مختبر للتحاليل الطبية، وصاحبة حضور لافت في مجال التوعية الصحية، أهمية استعادة النقاش حول الوقاية والمعلومة الصحية مع بداية الموسم الدراسي، انطلاقاً من خبرتها العلمية ومحتواها التوعوي الذي يقرّب المعارف الطبية من الجمهور ويناقش قضايا الصحة والوقاية.


الخطر قد يبدأ من الحلق


تنتقل الدفتيريا أساساً عبر الرذاذ التنفسي، خصوصاً أثناء السعال والعطس والاحتكاك القريب مع شخص مصاب. وقد تبدأ الإصابة بأعراض قد تبدو في بدايتها محدودة، قبل أن تتطور إلى أعراض أكثر خطورة، من بينها صعوبة البلع أو التنفس.


لكن ما يجعل الدفتيريا مرضاً يستحق الحذر لا يرتبط فقط بمكان ظهور الأعراض؛ فالبكتيريا المسببة للمرض يمكن أن تنتج سماً قد يؤثر في أعضاء مختلفة من الجسم، بما فيها القلب والجهاز العصبي والعضلات، وهو ما يفسر إمكانية ظهور مضاعفات خطيرة في الحالات التي تتطور فيها العدوى.


وعندما تظهر صعوبة واضحة في التنفس أو البلع، أو علامات اختناق، يصبح التقييم الطبي العاجل ضرورياً. في تلك اللحظة، لا تعود الأسرة أمام سؤال يتعلق بالوقاية فقط، وإنما أمام وضع صحي يستوجب تدخلاً طبياً سريعاً. ولهذا لا ينبغي انتظار تطور الأعراض المقلقة قبل طلب الرعاية الطبية.


خط الدفاع يبدأ قبل المرض


في مواجهة الدفتيريا، لا يبدأ خط الدفاع عند باب المستعجلات، بل يبدأ قبل ذلك بكثير: من التلقيح.


فالتلقيح هو الوسيلة الأساسية للوقاية من الدفتيريا، ولذلك فإن التأكد من تلقي الطفل الجرعات المقررة وفق البرنامج الوطني للتلقيح يمثل خطوة أساسية في تقليل خطر الإصابة ومضاعفاتها.


ومن موقعها المهني في البيولوجيا الطبية، تؤكد الدكتورة هند أهمية التعامل مع المعلومة الصحية بمسؤولية، خصوصاً في ظل الكم الكبير من الآراء والنصائح المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي. فالنقاش الذي رافق لقاحات كوفيد-19، بما حمله من مخاوف وأسئلة، لا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى رفض شامل لجميع اللقاحات؛ إذ إن اللقاحات ليست ملفاً واحداً، ولكل لقاح سياقه ومعطياته العلمية واستخداماته الصحية.


ولهذا، فإن القرارات المتعلقة بصحة الأطفال وتلقيحهم ينبغي أن تستند إلى المعطيات الطبية والمصادر الصحية الموثوقة، لا إلى أكثر المنشورات تداولاً على منصات التواصل الاجتماعي.


دقائق أمام دفتر التلقيح


هنا تبدأ الخطوة التي تستطيع كل أسرة القيام بها ببساطة: فتح دفتر التلقيح، ومراجعة الجرعات التي تلقاها الطفل، والتأكد من استكمال الجرعات المقررة، مع الاستفسار لدى الأطر الصحية عند وجود أي نقص أو شك بشأن الجرعات أو مواعيدها.


قد تستغرق العملية دقائق، لكنها تمنح الأسرة معلومة أساسية: أين يقف الطفل بالضبط من جدول التلقيح؟


وتتوفر اللقاحات المدرجة ضمن البرنامج الوطني للتلقيح عبر المراكز الصحية العمومية وفق المساطر المعمول بها، بما يسمح للأسر بالاستفسار والتأكد من وضعية تلقيح أطفالها واتخاذ الخطوات المناسبة عند الحاجة.


والفكرة هنا ليست تخويف الأسر من المرض، بل تفادي اكتشاف نقص في الوقاية بعد فوات الوقت.


بين المدرسة والبيت.. مسؤولية مشتركة


المدرسة ليست وحدها مسؤولة عن الوقاية، كما أن الأسرة لا تستطيع وحدها مراقبة كل ما يحدث داخل الفضاء المدرسي، لكن لكل طرف دوره. فالأسرة تبدأ من متابعة دفتر التلقيح، والانتباه إلى الأعراض، وعدم الاستهانة بعلامات الخطر، فيما تساهم المدرسة في التوعية الصحية واحترام قواعد النظافة والانتباه إلى الحالات التي تستوجب توجيهاً أو تدخلاً مناسباً وفق التوجيهات الصحية.


وفي زمن تنتشر فيه المعلومة الصحية بسرعة، لم تعد المشكلة في الوصول إليها، بل في معرفة أي معلومة تستحق الثقة. فمنشور على مواقع التواصل الاجتماعي قد يصل إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق، لكن سرعة انتشاره لا تمنحه قيمة علمية.


وهنا تبرز أهمية الدور الذي تلعبه الدكتورة هند من خلال محتواها التوعوي، في تقريب المفاهيم الصحية من الجمهور وفتح النقاش حول قضايا الوقاية والصحة بلغة أكثر وضوحاً، مع التأكيد على أن المحتوى التوعوي لا يعوض الاستشارة الطبية المباشرة عند الحاجة.


قبل أن يصبح السؤال: «ماذا نفعل الآن؟»


مع عودة الأطفال إلى الأقسام، لا يتعلق الأمر بصناعة الخوف من الدفتيريا، وإنما باستعادة معنى بسيط للوقاية: أن نتحقق قبل أن نحتاج إلى العلاج.


دفتر التلقيح ليس مجرد وثيقة تحفظها الأسرة بين الأوراق؛ إنه سجل يذكّرها بما تلقاه الطفل وما قد يحتاج إلى استكماله، ويمنحها نقطة بداية واضحة للتأكد من وضعه من ناحية التحصين.


والدفتيريا مرض خطير، لكنها من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بالتلقيح، كما أن ظهور علامات مقلقة يستوجب طلب الرعاية الطبية دون تأخير.


وفي النهاية، قد تكون دقائق نقضيها اليوم أمام دفتر التلقيح أهم من ساعات قد نقضيها غداً أمام باب المستعجلات.


لأن الوقاية الحقيقية لا تبدأ عندما يظهر المرض، بل تبدأ عندما لا نترك للمرض فرصة أن يفاجئنا.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات