Preloader Image
زواج القاصرات».. بين مواجهة القانونُ العلمَ والشريعةَ في معركة حماية الطفولة.. وهبي وهند الكرماعي خليل وياسين العمري أمام الاختبار!

زواج القاصرات».. بين مواجهة القانونُ العلمَ والشريعةَ في معركة حماية الطفولة.. وهبي وهند الكرماعي خليل وياسين العمري أمام الاختبار!

إعداد: إبراهيم باعزيز

عاد ملف زواج القاصرات إلى واجهة النقاش العمومي بالمغرب، في لحظة تتقاطع فيها مراجعة مدونة الأسرة مع أسئلة الحقوق والصحة والمرجعية الدينية، بعدما أعاد وزير العدل عبد اللطيف وهبي، خلال جلسة برلمانية يوم الاثنين 2 نونبر 2026، فتح النقاش بشأن الاستثناءات التي تسمح بزواج من لم يبلغن سن الرشد، معلناً التوجه نحو تشديد شروط الإذن القضائي، ومؤكداً أن تحديد سن الزواج في 18 سنة ظل من بين القضايا التي أثارت نقاشاً واسعاً خلال أشغال مراجعة المدونة.

لكن خلف النقاش حول السن القانونية وحدود سلطة قاضي الأسرة، تبرز أسئلة أكثر تعقيداً تتصل بطبيعة الحماية التي ينبغي أن تحظى بها الفتاة قبل انتقالها إلى مسؤوليات زوجية وأسرية قد تتجاوز استعدادها الجسدي والنفسي والاجتماعي. فبين القانون الذي يرسم حدود الأهلية والاستثناء، والعلم الذي يفحص مؤشرات النمو ومخاطر الزواج والحمل المبكر، والمرجعية الدينية التي تستحضر أحكام البلوغ ومقاصد الزواج، تتعدد زوايا النظر، بينما يظل السؤال المركزي واحداً: أين تنتهي سلطة الاستثناء، وأين تبدأ مسؤولية حماية الطفولة؟


عبد اللطيف وهبي.. بين تشديد شروط الاستثناء وحماية مستقبل الفتاة

من داخل ورش مراجعة مدونة الأسرة، يبرز موقف وزير العدل عبد اللطيف وهبي باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لفهم النقاش التشريعي حول زواج القاصرات. فقد كشف أن الملف استأثر بحيز مهم من النقاش داخل اللجنة المكلفة بإعداد المراجعة، موضحاً أن أعضاءها خاضوا نقاشاً مطولاً بشأن السن الأنسب للزواج، بين 16 و17 و18 سنة. وأبرز أنه كان يميل إلى اعتماد سن 18 سنة، انطلاقاً من قناعة مفادها أن الفتاة ينبغي أن تمنح الأولوية للدراسة، وأن «قرا ومن بعد نشوفو فين غادي تمشي»، بدل أن تجد نفسها أمام مسؤوليات الزواج قبل استكمال مسارها التعليمي وبناء مستقبلها. كما شمل النقاش الاستماع إلى رأي المجلس العلمي وآراء عدد من العلماء، فضلاً عن طرح إمكانية اعتماد الخبرة الاجتماعية والصحية لتقييم الحالات المعروضة، بما يضمن استحضار مصلحة الفتاة ورغبتها في مواصلة دراستها.

غير أن الإشكال، كما عرضه وهبي، لا يقف عند حدود السن أو شروط الإذن القضائي؛ إذ نبّه إلى أن بعض الحالات أصبحت تستعمل فيها مسطرة تزويج القاصرات، بحسب تعبيره، «كحل للتعدد»، من خلال إبرام زواج عرفي، قبل اللجوء لاحقاً إلى مسطرة ثبوت الزوجية. وفي المقابل، أشار إلى أن الأرقام الواردة في التقرير الأخير للسلطة القضائية سجلت تراجعاً في حالات زواج القاصرات، غير أن الظاهرة لا تزال مرتبطة بعوامل اقتصادية واجتماعية، في مقدمتها هشاشة أوضاع بعض الأسر وبُعد المؤسسات التعليمية عن المناطق التي تقطنها الفتيات.

ومن هنا، تتجاوز المعالجة في تصور وزير العدل حدود المقتضى القانوني لتلامس مسؤولية السياسات الاجتماعية؛ إذ كشف أن معالجة الملف تستدعي تنسيقاً مع وزارتي المالية والتضامن الاجتماعي، للبحث عن حلول تستهدف الظروف التي تدفع بعض الأسر إلى تزويج بناتها في سن مبكرة. واستحضر وضعيات فتيات يجدن أنفسهن مطلقات وهن لا يزلن قاصرات، أو يتحملن مسؤولية أطفال في وقت ما زلن فيه بحاجة إلى الرعاية والتكوين والاستقرار، متسائلاً عن كيفية التعامل مع فتاة قاصر أصبحت أماً أو مطلقة، ووجدت نفسها أمام تبعات اجتماعية وقانونية تفوق سنها.

وبين النقاش التشريعي والرهانات الاجتماعية، يضع وهبي جوهر المعالجة في تمكين الفتاة من أن «توقف على رجليها»، وتستكمل دراستها وتبني شخصيتها ووضعيتها المستقلة قبل تحمل مسؤولية الزواج. فالإشكال لا يتعلق فقط بالسن الذي يسمح فيه القانون بالزواج استثناءً، بل أيضاً بالظروف التي قد تجعل هذا الاستثناء مخرجاً من الهشاشة الاقتصادية، أو مدخلاً إلى مسؤوليات تلاحق الفتاة قبل اكتمال طفولتها.

 الدكتورة هند الكرماعي خليل.. حين يتحول الزواج المبكر إلى اغتصاب لطفولة لم تكتمل

إذا كان النقاش التشريعي ينشغل بحدود الاستثناء وشروط الإذن، فإن المقاربة الطبية تنقل القضية إلى مساحة أكثر التصاقاً بجسد الفتاة ونموها ومستقبلها. «فاش كنهدرو على طفلة عندها 12 أو 13 أو 14 سنة، واش كنهدرو على زواج ولا على اغتصاب للطفولة؟».. بهذا السؤال تفتتح الدكتورة هند الكرماعي خليل، المختصة في البيولوجيا الطبية، مقاربتها لملف زواج القاصرات، واضعة النقاش أمام مفارقة تتجاوز حدود النص القانوني لتلامس جوهر النمو الجسدي والنفسي. وتستحضر أرقام سنة 2020 التي تحدثت عن تسجيل أكثر من 20 ألف حالة زواج لفتيات قاصرات، معتبرة أن حجم الظاهرة يفرض مساءلة الظروف التي تدفع طفلات في سن 12 و13 و14 سنة إلى الانتقال المبكر نحو حياة زوجية ومسؤوليات لا تتناسب بالضرورة مع أعمارهن ومرحلة نموهن.

وتنتقد الدكتورة هند النظرة التي تجعل من جسد الفتاة موضوعاً للرغبة، دون الالتفات إلى نضجها العقلي والنفسي. وتتوقف عند تصور يرى الطفلة من زاوية مظهرها الخارجي، بل يعتبرها، وفق التعبير الذي نقلته عنها، «فاخرة وكتشهي»، وكأن الجاذبية الجسدية تمنحها تلقائياً أهلية الزواج. غير أن هذا المنطق يخلط بين البلوغ البيولوجي والنضج الحقيقي؛ فالبنت، كما تؤكد، «ما زال ما ناضجاش لا فكرياً لا جسدياً»، ولا يمكن اختزال استعدادها لتحمل مسؤولية الزواج والأمومة في مجرد تغيرات جسدية مرتبطة بمرحلة البلوغ.

ولا تنتهي المخاوف عند حدود الجسد، بل تمتد إلى ما قد ينتظر القاصر داخل الحياة الزوجية. فحين تُدفع فتاة إلى علاقة ومسؤوليات لا تملك أدوات التعامل معها، تصبح أكثر عرضة لأشكال متعددة من العنف، سواء داخل العلاقة الحميمة أو من طرف الزوج أو في محيط عائلة الزوج. وقد تجد نفسها أمام ضغوط نفسية وجسدية واجتماعية تفوق قدرتها على المواجهة، خصوصاً عندما يتحول الزواج من علاقة يفترض أن تقوم على التفاهم والاحترام إلى فضاء للمطالبة والطاعة والإكراه.

ومن زاوية أخرى، تفتح هذه المقاربة باب التساؤل حول دوافع بعض الرجال الذين يختارون الارتباط بفتيات في سن الطفولة أو المراهقة المبكرة، وما إذا كانت هذه العلاقات تقوم على توازن بين طرفين أم على تفاوت واضح في السن والنضج والقدرة على اتخاذ القرار. فالزواج لا يصبح سليماً بمجرد استكمال إجراءاته القانونية، إذا كانت الفتاة غير قادرة على ممارسة حقوقها أو التعبير عن رفضها أو حماية حدودها الشخصية.

أما التداعيات، فلا تتوقف عند المخاطر الصحية والنفسية، بل قد تمتد إلى بنية الأسرة نفسها؛ إذ تحذر الدكتورة هند من أن تحميل الفتاة مسؤوليات تفوق استعدادها قد يفضي إلى انهيار العلاقة الزوجية في وقت وجيز، بما يفتح الباب أمام طلاق مبكر وأطفال يجدون أنفسهم وسط هشاشة أسرية جديدة. وهي المفارقة التي تختصرها بعبارة «طفل جار طفل»، في إشارة إلى انتقال مسؤولية تربية طفل إلى أم لا تزال، هي نفسها، في مرحلة تحتاج فيها إلى الرعاية والتكوين والاستقرار.

وتضع هذه المعطيات المقاربة الطبية أمام سؤال يتجاوز الزواج باعتباره عقداً قانونياً: كيف يمكن حماية حق الفتاة في النمو والتعلم والاختيار، في وقت لا تزال فيه غير مستعدة لتحمل مسؤوليات تفوق مرحلتها العمرية؟

موقف الشيخ ياسين العمري.. البلوغ الشرعي في مواجهة معيار السن

وعلى الضفة الفقهية من هذا النقاش، يبرز موقف الشيخ ياسين العمري الذي ينطلق من المرجعية الإسلامية في مقاربته لقضية زواج القاصرات، معتبراً أن البلوغ هو أساس التكليف الشرعي، وليس بالضرورة بلوغ سن قانونية موحدة. واستحضر علامات البلوغ المعروفة في الفقه الإسلامي، وفي مقدمتها الحيض والاحتلام وظهور شعر العانة، مشيراً إلى اختلاف الفقهاء بشأن السن التقديرية عند غياب هذه العلامات، بين من يحددها في الخامسة عشرة ومن يأخذ بأقوال أخرى. وللتعبير عن اعتراضه على اختزال مفهوم الطفولة في العمر وحده، استحضر مثال امرأة بلغت الرابعة والعشرين دون أن تحيض، متسائلاً عما إذا كان غياب هذه العلامة يجعلها طفلة.

ولم يقف العمري عند العلامات الفقهية، بل ربط اختلاف مظاهر البلوغ والنضج بتباين البيئات والظروف الاجتماعية، مستحضراً الفتاة في المدينة والجبل والصحراء، إلى جانب تجارب الأمهات والأجيال السابقة التي عرفت تصورات مختلفة بشأن الزواج المبكر. كما انتقد الصورة التي قال إن بعض التغطيات الإعلامية تقدم بها الفتاة القاصر، وكأنها دائماً طفلة صغيرة ترتدي مئزراً مدرسياً وتحمل محفظتها، معتبراً أن هذا التصوير قد يختزل جميع حالات الزواج المبكر في صورة واحدة، ويربطها تلقائياً بالاعتداء الجنسي.

غير أن النقاش هنا يقتضي التمييز بين مستويات مختلفة لا يصح دمجها في مفهوم واحد؛ فالبلوغ البيولوجي أو تحقق إحدى علاماته لا يعني تلقائياً اكتمال النضج النفسي والعقلي، كما لا يحسم بمفرده مسألة الأهلية القانونية أو القدرة على تحمل مسؤوليات الزواج. ومن ثم، فإن استحضار المرجعية الفقهية يظل جزءاً من النقاش، لكنه لا يلغي الأسئلة المتعلقة بحرية الاختيار، وانتفاء الإكراه، وتقدير المصلحة، وحماية الفتاة من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.

ثلاث مرجعيات أمام سؤال واحد

تكشف المواقف الثلاثة أن قضية زواج القاصرات تتجاوز الخلاف حول رقم أو مقتضى قانوني، لتتقاطع فيها ثلاثة مستويات من النظر: قانون يحدد الأهلية والاستثناءات، وعلم يفحص مؤشرات النمو والمخاطر الصحية والنفسية، ومرجعية دينية تستحضر أحكام البلوغ ومقاصد الزواج. ولا تبدو أي مقاربة منفردة كافية للإحاطة بتعقيدات الظاهرة أو ضمان حماية الفتاة من تبعاتها.

فالإصلاح القانوني لن يكون كافياً إذا لم تصاحبه سياسات اجتماعية تحارب الهشاشة والفقر والهدر المدرسي، وتضمن للفتيات إمكانية متابعة الدراسة والوصول إلى المؤسسات التعليمية والخدمات الصحية. كما أن الخبرة الطبية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد إجراء شكلي، بل يتعين أن تكون نتائجها جزءاً فعلياً من تقييم مصلحة القاصر، فيما يظل النقاش الديني مطالباً باستحضار مقاصد الزواج ومسؤولية رفع الضرر، إلى جانب أحكام البلوغ التي تشكل جزءاً من المرجعية الفقهية.

وتبرز المفارقة في أن القانون المغربي يقرر سن 18 سنة كقاعدة لأهلية الزواج، لكنه يتيح الاستثناء القضائي بشروط محددة، بينما تظل طلبات تزويج القاصرات مطروحة أمام المحاكم. وبين القاعدة والاستثناء، يظل التحدي الحقيقي هو ضمان ألا يتحول الإذن القضائي إلى مجرد إجراء يعبر من خلاله الواقع الاجتماعي الهش، دون أن تنال الفتاة الحماية التي يفترض أن يوفرها القانون.

الطفولة ليست استثناءً قانونياً

ليست المسألة، في جوهرها، سباقاً بين القانون والعلم والشريعة، ولا مواجهة بين مرجعيات يتعين أن تنتصر إحداها على الأخرى؛ إنها مساءلة لمدى قدرة هذه المرجعيات على الإسهام في حماية فتاة قد تجد نفسها أمام مسؤوليات الزواج والأمومة في مرحلة كان يفترض أن تكون مخصصة للتعليم واكتشاف الذات وبناء الاستقلالية.

فحين يطالب القانون بتشديد شروط الاستثناء، ويضع الطب مخاطر النمو والحمل المبكر أمام النقاش، وتستحضر المرجعية الدينية أحكام البلوغ، تظل أسئلة لا تحسمها الأرقام أو الإجراءات وحدها: هل تملك الفتاة فعلاً حرية الاختيار؟ وهل تستطيع رفض ما لا تريده؟ وهل تتوافر لها الشروط التي تجعل الزواج مسؤولية واعية، لا مخرجاً من الفقر أو استجابة لضغط الأسرة والمحيط؟

إن مراجعة مدونة الأسرة ستُقاس، في نهاية المطاف، ليس فقط بما ستعدله من مواد أو بما ستضيّقه من استثناءات، بل بما ستنجح في منعه من ممارسات، وما ستوفره من ضمانات، وبمدى قدرتها على نقل حماية الطفلة من مستوى النص إلى واقعها اليومي. فالقضية لا تنتهي عند توقيع إذن قضائي، كما لا تبدأ بمجرد تحقق علامة من علامات البلوغ؛ إنها تبدأ من حق الفتاة في أن تنمو وتتعلم وتختار، وأن تكون صاحبة قرار في مستقبلها.

فالطفولة ليست مرحلة يمكن اختصارها بإذن، ولا حقاً يمكن تعليقه على استثناء؛ إنها عمر ينبغي أن يُعاش كاملاً، قبل أن يُطلب من صاحبته تحمل أعباء عمر آخر.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات