Preloader Image
news خبر عاجل
clock
«عوج تبيع».. حين تحولت المراكشية إلى «سيرك لغوي» وابتذال على موائد الفطور

«عوج تبيع».. حين تحولت المراكشية إلى «سيرك لغوي» وابتذال على موائد الفطور

ابراهيم باعزيز

لم يعد المشهد الرقمي الذي يقدمه بعض صناع محتوى الأكل بمدينة مراكش مجرد ترويج تجاري لطعام بلدي أو وجبة إفطار، بل تحول رسمياً إلى مسرح مفتوح لما يمكن تسميته بـ"التلوث السمعي والتصنع اللغوي". لقد تم الانتقال المباشر من القاعدة الشعبية المعروفة «زوق تبيع» إلى قاعدة جديدة أكثر ابتذالاً هي «عوج تبيع»، حيث أصبح إيجاد فكرة محترمة أو تقديم مادة ذوقية راقية أمراً غائباً، وتعويضه بالصراخ، ليّ الألسن، وتركيب عبارات لا رابط بينها سوى استجداء "الترند" وتجميع المشاهدات على حساب الذاكرة الشفهية للمدينة.

أن ترتبط موائد الأكل بسيل غير متناهٍ من القافيات المجوفة من قبيل: «ها الرايب وراه داكشي غايب المعلم»، «ضور مية وحيد الحظية»، «صلي وملي نوض توضى باش تصلي»، و«هادي هي ضرب المقلة وكبر العضلة»، فهذا يعكس حقيقة الإفلاس التفكيري لدى أصحاب هذا المحتوى. فالأمر لا يتوقف عند حدود الدعابة المراكشية الأصيلة، بل يتجاوزها إلى ابتذال صريح وخلط عشوائي للمفاهيم ومقامات الكلام، لاستعراض جمل هشة من نوع «عطي لخونا همامة باش يشري الحمامة»، وصولاً إلى تركيبات لغوية هجينة ومضحكة على شاكلة «اڤيك لوي جو مونج الملوي دون لابلوي اڤيك ان بتي دو فخوي»، وكأن اللسان المراكشي بعمقه وبلاغته أصبح حقل تجارب لجماد لفظي لا رأس له ولا عقب.


إن خطورة هذا النهج لا تقتصر على تقديم كلام فارغ المعنى، بل تتعداه إلى انحدار أخلاقي وذوقي يمس الذوق العام للمتابعين وللأسر المغربية التي تتابع هذه المقاطع. تجد هؤلاء يطلقون عبارات من قبيل «والله أسيدي بقات هي الضسارة وصلي صلاة الاستخارة باش تجيك البيشارة ديال شي عصير بمطيشة وشي خيارة»، أو «الدرويش وهبط الفدريش»، وصولاً إلى استخدام نبرات وإيحاءات وصراخ بـ «وااااه واااااه واااااه داكشي بلتي أهيا المعلم طفي»، في مشهد يثير النفور والقرف لدى المتلقي الذي يسعى للتعرف على أصالة المطبخ المراكشي، فيجد نفسه أمام استعراض لفظي يخدش الحياء ويقزم النكتة المراكشية في مجرد صراخ ومصطلحات مبتذلة.


يرى المهتمون بالإعلام والثقافة المحلية أن "المراكشية" بريئة تماماً من هذا التصنع السمج؛ فالبلاغة المراكشية والبهجة السرية المعروفة عبر التاريخ كانت دائماً قائمة على الذكاء اللفظي، السرعة في البديهة، والاتزان العفوي الذي لا يحتاج إلى "تمطيط" الحروف ولا إلى إقحام تعبيرات هابطة. أما الادعاء بأن هذا السلوك يمثل روح المدينة فهو مجرد مغالطة لتغطية الركود والتكرار الأعمى، إذ إن محاولة اكتساب مشروعية الانتماء إلى مراكش عبر "تعواج الهضرة" هي محاولة فاشلة لا تخلّف سوى القرف المباشر وتسيء للثقافة الشفهية لمدينة بحجم مراكش.


لقد حان الوقت للقطع مع هذا الابتذال الرقمي وإعادة الاعتبار للسان المراكشي الأصيل، والوعي بأن احترام الجمهور والمحافظة على رقي التواصل هما الأساس في نجاح أي محتوى رقمي؛ فـ«تزويق الكلام» أو «تعواجه» قد يكسب صاحبه مشاهدة عابرة قائمة على الفضول، لكنه يسقطه فوراً من احترام المتابع المحلي والسائح على حد سواء، ويترك أثراً سيئاً على الذوق العام والذاكرة الجماعية للمدينة.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات