«الرقصة الأخيرة للرقم 10»: من بطاقة حمراء بعد 47 ثانية إلى بيان الاعتزال.. ميسي يطوي ملحمة عقدين مع الأرجنتين
بقلم: إبراهيم باعزيز
لم تكن الصافرة الأخيرة مجرد إعلان عن نهاية مباراة. كانت إشارة إلى إسدال الستار على واحدة من أطول الرحلات التي عرفتها كرة القدم الدولية؛ رحلة بدأت ببطاقة حمراء بعد 47 ثانية فقط، ومرت بالدموع والنهائيات الضائعة، قبل أن تنتهي بقائد يحمل كأس العالم ويرحل عن منتخب بلاده بعدما ترك وراءه إرثًا يصعب اختزاله في الأرقام.
أكثر من عقدين بقميص الأرجنتين، كان خلالها ليونيل ميسي يتنقل بين صورتين متناقضتين: نجم لا يحتاج إلى تعريف في ملاعب أوروبا، ولاعب ظل مطالبًا، في بلاده، بإثبات أنه قادر على منح المنتخب ما عجز عنه لسنوات.
كان السؤال يلاحقه في كل بطولة: هل يستطيع ميسي أن يفعل مع الأرجنتين ما فعله مع برشلونة؟
احتاج إلى سنوات طويلة حتى جاءت الإجابة.
47 ثانية صنعت أول مشهد
في أوت 2005، دخل ميسي ملعب بوشكاش لمواجهة المجر، في أول ظهور له مع المنتخب الأول.
لم تستمر المغامرة طويلًا.
بعد 47 ثانية فقط، تلقى البطاقة الحمراء وغادر الملعب.
لم يكن المشهد يشبه بداية أسطورة. كان أقرب إلى حادث عابر في مسيرة لاعب شاب لم يكن العالم قد اكتشف بعد حجم الموهبة التي يحملها.
لكن بعد أقل من عام، ظهر اسم ميسي في كأس العالم.
في ألمانيا 2006، دخل أمام صربيا والجبل الأسود في الدقيقة 74، ولم يحتج سوى أربع دقائق ليصنع هدفًا لهيرنان كريسبو، قبل أن يسجل بنفسه.
كان في التاسعة عشرة من عمره.
وفي تلك اللحظة، لم يعد الفتى القادم من روساريو مجرد موهبة واعدة؛ بدأ يكتب أول سطر له في تاريخ الأرجنتين بالمونديال.
حين أصبح الرقم 10 عبئًا
مرت السنوات، وكبر ميسي، وكبر معه القميص رقم 10.
لكن الرقم لم يكن مجرد رقم في الأرجنتين.
كان إرثًا تركه مارادونا، وكانت المقارنة حاضرة في كل مرة يدخل فيها ميسي الملعب. كل بطولة كانت اختبارًا جديدًا، وكل خسارة كانت تعيد السؤال ذاته إلى الواجهة.
في مونديال 2014 بالبرازيل، اقترب ميسي من الإجابة أكثر من أي وقت مضى.
قاد الأرجنتين إلى النهائي، سجل أربعة أهداف وصنع هدفًا، وحصل على جائزة أفضل لاعب في البطولة.
لكن الكأس بقيت على بعد خطوة واحدة.
في الوقت الإضافي، سجل ماريو غوتزه هدف ألمانيا، وانتهى النهائي.
وقفت الأرجنتين أمام الكأس دون أن تلمسها، ووقف ميسي أمام واحدة من أكبر خيبات مسيرته الدولية.
لكن ما حدث بعدها كان أشد قسوة.
نهائيان.. والركلة التي كسرت الصمت
في كوبا أمريكا 2015، وصلت الأرجنتين إلى النهائي أمام تشيلي.
120 دقيقة بلا أهداف.
ثم ركلات الترجيح.
خسرت الأرجنتين.
وبعد عام، تكرر المشهد تقريبًا.
الأرجنتين وتشيلي مجددًا في النهائي، و120 دقيقة أخرى بلا أهداف، قبل أن تذهب الكأس إلى ركلات الترجيح.
هذه المرة، أهدر ميسي ركلته.
كانت تلك اللحظة أكثر من خسارة لقب.
كانت لحظة بدا فيها أن اللاعب الذي اعتاد صناعة المستحيل مع ناديه عاجز عن كسر الحاجز الأخير مع منتخب بلاده.
بعد المباراة، أعلن ميسي اعتزاله اللعب الدولي.
كان في التاسعة والعشرين.
وفجأة، بدا أن القصة ستنتهي قبل أن تصل إلى الفصل الذي انتظرته الأرجنتين طويلًا.
لكن ميسي لم يغادر.
العودة من حافة النهاية
عاد الرقم 10 إلى المنتخب.
وكانت العودة بداية التحول.
في 10 يوليوز 2021، احتضن ملعب ماراكانا نهائي كوبا أمريكا بين الأرجنتين والبرازيل.
لم يسجل ميسي.
لكن أنخيل دي ماريا سجل الهدف الوحيد.
وعندما انتهت المباراة، كانت الأرجنتين قد كسرت انتظارًا دام 28 عامًا.
أما ميسي، فكان قد كسر شيئًا آخر: الحاجز الذي ظل يفصل اسمه عن المجد الدولي.
لم يعد اللاعب الذي يقال إنه لم يفز مع بلاده.
أصبح قائد منتخب يحمل لقبًا قاريًا.
وبعد عام، أضافت الأرجنتين «الفيناليسيما» إلى سجلها بالفوز على إيطاليا في ويمبلي.
لكن اللقب الذي ظل ميسي يبحث عنه منذ طفولته كان ينتظر في مكان آخر.
قطر.. حيث انتهت المقارنة
دخل ميسي كأس العالم 2022 وهو في الخامسة والثلاثين.
كانت السنوات تقول إن الوقت يضيق.
لكن ميسي لعب البطولة كما لو أن الزمن توقف.
حتى بعد البداية الصادمة والخسارة أمام السعودية، استعاد المنتخب الأرجنتيني توازنه، ومضى في البطولة مباراة بعد أخرى.
ثم وصل إلى النهائي.
الأرجنتين أمام فرنسا.
ميسي يسجل.
مبابي يرد.
ميسي يسجل مجددًا.
مبابي يكمل ثلاثيته.
3-3 بعد 120 دقيقة.
ثم ركلات الترجيح.
هذه المرة، لم يسقط ميسي.
سقطت آخر عقدة.
سجلت الأرجنتين، وسجل غونسالو مونتييل الركلة الأخيرة، وانفجرت الاحتفالات.
في الخامسة والثلاثين، رفع ميسي كأس العالم.
كان المشهد أكبر من لقب.
كان جوابًا نهائيًا على سؤال رافقه لسنوات.
من البحث عن المجد إلى صناعة الإرث
بعد قطر، لم تتوقف الأرجنتين.
في كوبا أمريكا 2024، فاز المنتخب على كولومبيا في النهائي، واحتفظ باللقب.
ميسي، الذي أمضى سنوات يلاحق أول لقب كبير مع بلاده، أصبح الآن قائد منتخب يضيف البطولات واحدة تلو الأخرى.
ثم جاء مونديال 2026.
التاسعة والثلاثون من العمر.
المشاركة السادسة في كأس العالم.
لم يعد هناك ما يحتاج إلى إثباته، لكن الأرقام واصلت مطاردته.
ثلاثية في المباراة الافتتاحية أمام الجزائر، ثم أهداف أمام النمسا والأردن والرأس الأخضر ومصر.
ثمانية أهداف في البطولة.
21 هدفًا في تاريخ مشاركاته بالمونديال.
ووصول جديد إلى النهائي.
لكن النهاية لم تكن وردية.
آخر مباراة.. ونهاية لم تُكتب كما في الأحلام
في 19 يوليوز، واجهت الأرجنتين إسبانيا في النهائي.
هذه المرة، لم يكن هناك هدف متأخر ينقذ الحكاية.
خسرت الأرجنتين بهدف دون رد على ملعب ميتلايف.
كانت تلك المباراة الأخيرة لميسي بقميص المنتخب.
بعد أسابيع، جاء الإعلان الرسمي عن الاعتزال الدولي.
وكانت الرسالة قد بدأت كتابتها في 21 يوليوز، بعد يومين فقط من خسارة النهائي، قبل أن تترسخ قناعة ميسي بالقرار عقب وفاة والده خورخي في أوت.
وهكذا، انتهت الرحلة.
ليس بالطريقة التي ربما تخيلها ميسي، ولكن بالطريقة التي تليق بمسيرة لم تعرف أصلًا طريقًا مستقيمًا.
ماذا يترك الرقم 10 وراءه؟
207 مباريات دولية.
125 هدفًا.
كأس عالم.
لقبان في كوبا أمريكا.
لقب «الفيناليسيما».
لكن الأرقام وحدها لا تروي قصة ميسي مع الأرجنتين.
القصة موجودة في الـ47 ثانية الأولى.
في البطاقة الحمراء.
في نهائي البرازيل.
في ركلة نيوجيرسي.
في قرار الاعتزال.
في العودة.
في ماراكانا.
وفي تلك اللحظة التي وقف فيها ميسي في الدوحة، يحمل كأس العالم فوق رأسه، وكأن كل سنوات الانتظار قادته إلى تلك الصورة تحديدًا.
ثم جاءت النهاية.
لم يغادر ميسي المنتخب كبطل لم يخسر شيئًا، بل كلاعب خسر كثيرًا قبل أن ينتصر.
لم يحصل على نهاية مثالية؛ خسر آخر نهائي له أمام إسبانيا.
لكن ربما لم تكن المثالية هي ما احتاجته حكايته أصلًا.
لأن قيمة هذه الرحلة لم تكن في عدد مرات الفوز فقط، بل في عدد المرات التي عاد فيها بعد الخسارة.
من فتى روساريو الذي طُرد بعد 47 ثانية، إلى قائد رفع كأس العالم.
من لاعب عاش تحت ظل مارادونا، إلى أسطورة صنعت لنفسها مكانًا مستقلًا في تاريخ الأرجنتين.
من دموع النهائيات الضائعة، إلى احتفالات الماراكانا والدوحة.
هكذا يطوي ليونيل ميسي آخر صفحة من حكايته مع الأرجنتين.
ويبقى الرقم 10.
ليس مجرد رقم على قميص.
بل أثر لاعب حمله لأكثر من عقد، وأعاد تعريفه، ثم تركه خلفه محمّلًا بواحدة من أكثر القصص اكتمالًا في تاريخ كرة القدم.