تشهد مدينة مراكش فصولاً إنسانية وقانونية بالغة التعقيد في قضية الاشتباه باستبدال طفلتين حديثتي الولادة تعود وقائعها إلى شهر غشت 2024. فبعدما قطعت تحاليل الحمض النووي (ADN) الشك باليقين وكشفت عن عدم تطابق النسب البيولوجي، وجدت أسرتان نفسيهما في قلب عاصفة من المعاناة النفسية، وسط تساؤلات حارقة حول ظروف تسليم المواليد، ومطالب بفتح تحقيق يحدد المسؤوليات الإدارية والطبية عن هذه الفاجعة.
وتعود جذور الواقعة إلى 27 غشت 2024، حين وضعت سيدة مولودتها بـ"دار الولادة المسيرة" بمراكش. ووفقاً لمعطيات الشكاية المرفوعة إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالمدينة، فقد راودت الأسرة شكوك قوية حول هوية الرضيعة التي تسلمتها، مما دفعها إلى إجراء خبرة جينية أفضت نتائجها إلى نفي الأبوة البيولوجية المفترضة. هذه النتيجة الصادمة عززت فرضية حدوث خلط بين مولودتين رأتَا النور في اليوم ذاته، ودفعت الأسرة إلى المطالبة بفتح تحقيق قضائي لمراجعة سجلات المؤسسة الصحية، والتدقيق في بروتوكولات تسليم المواليد، وترتيب الجزاءات القانونية اللازمة.
تعثر إجراءات التسليم وحسم الموقف الإنساني
بعد مسار طويل من الإجراءات المسطرية، جرى استدعاء الأسرتين يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 لمباشرة عملية تبادل الطفلتين استناداً إلى نتائج الخبرة الجينية. غير أن هذا الإجراء اصطدم في البداية برفض أحد الأبوين تسليم الطفلة التي ترعرعت في حضنه لأكثر من عامين؛ وهو موقف عكس حجم الصدمة النفسية التيخلفتها الواقعة، إذ ربط الأب خطوة التسليم بضرورة محاسبة المؤسسة الصحية أولاً، رافضاً أن يُختزل هذا الخطأ الجسيم في مجرد إجراء إداري لتبادل الطفلتين دون مساءلة المتسببين في معاناة الأسرتين.
غير أن الملف شهد تطوراً حاسماً يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، حين توجه الأب نفسه إلى المحكمة مطالباً بتسلم ابنته البيولوجية من الأسرة الأخرى، وهو ما جرى تنفيذه بالفعل، ليُطوى بذلك فصل من التعثر الإجرائي، ويُفتح فصل آخر لا يقل قسوة على المستويين النفسي والاجتماعي.
وفي موقف إنساني لافت، قرر الطرف الآخر (السيد محمد) التكفل بالطفلة التي رباها ونشأت في كنفه، رغم ثبوت عدم انتسابها إليه بيولوجياً، ورغم معاناتها من إعاقة حسية وحركية ومضاعفات صحية تتطلب رعاية خاصة ومستمرة. هذا القرار النبيل يضع الجهات المعنية أمام مسؤولية مضاعفة لضمان مواكبة الطفلة طبياً واجتماعياً، وحماية استقرارها النفسي خلال هذه المرحلة الانتقالية الحرجة.
جراح الفراق.. حين تصطدم الحقيقة البيولوجية بروابط التربية
لم تكن لحظة تسليم الطفلة مجرد تنفيذ لقرار قضائي لتصحيح النسب، بل تحولت إلى مشهد إنساني يعتصر القلوب، امتزجت فيه مشاعر الحزن والذهول والارتباك. فقد وجدت طفلتان بريئتان نفسيهما مضطرتين لمغادرة الأحضان التي ألفتاها، ومواجهة واقع جديد لم تختاراه.
وتبادلت الطفلتان نظرات وداع مؤثرة وسط أجواء مشحونة بالألم، في مشهد يختزل قسوة المفارقة بين "حكم الجينات" و"روابط التربية". فالحقيقة البيولوجية، على أهميتها الشرعية والقانونية، لا يمكنها أن تمحو بجرة قلم علاقة عاطفية نسجتها تفاصيل الحياة اليومية والرعاية على مدار سنتين. وتحتاج الأسرتان اليوم، ومعهما الطفلتان، إلى دعم نفسي متخصص ومواكبة دقيقة لتجاوز آثار هذه الصدمة، لا سيما الطفلة ذات الاحتياجات الخاصة التي يتطلب وضعها استقراراً مضاعفاً ورعاية غير منقطعة.
المحاسبة وجبر الضرر: ملف مفتوح لا يسقط بالتسليم
إن إتمام الإجراءات المتعلقة بوضع الطفلتين لا يعني بأي حال من الأحوال إغلاق هذا الملف الشائك؛ فمسألة تحديد المسؤوليات داخل المؤسسة الصحية تظل جوهر القضية. ولا بد أن يمضي البحث القضائي قدماً للكشف عن حقيقة ما جرى داخل "دار الولادة المسيرة" يوم 27 غشت 2024، وتحديد ما إذا كان الأمر ناتجاً عن إهمال وتقصير في التحقق من هوية المواليد وتسليمهم، أم عن ملابسات أخرى ستكشفها التحقيقات.
إن طي هذه الصفحة المؤلمة يقتضي معالجة شاملة لا تقتصر على تصحيح الأنساب في السجلات الرسمية، بل تمتد لتشمل:
فتح تحقيق إداري وقضائي معمق لمراجعة السجلات والاستماع إلى كافة الأطر المتدخلة لحظة الولادة والتسليم.
ترتيب المسؤوليات القانونية وجبر الضرر المعنوي والنفسي الجسيم الذي لحق بالأسرتين.
توفير مواكبة نفسية واجتماعية وطبية مستمرة للطفلتين، مع إيلاء عناية خاصة للطفلة التي تعاني من إعاقة حسية وحركية، بما يضمن المصلحة الفضلى لهما.
تشديد إجراءات الرقابة وبروتوكولات تحديد هوية المواليد داخل المؤسسات الصحية، لضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي التي تدفع ثمنها أسر وأطفال أبرياء.