Preloader Image
news خبر عاجل
clock
من عبد الكريم بن جلون إلى عبد اللطيف وهبي.. كيف تطورت وزارة العدل وتحولت منظومة القضاء المغربي؟

من عبد الكريم بن جلون إلى عبد اللطيف وهبي.. كيف تطورت وزارة العدل وتحولت منظومة القضاء المغربي؟

إبراهيم باعزيز


ليست العدالة مجرد محاكم تصدر الأحكام، ولا نصوص قانونية تُنشر في الجريدة الرسمية؛ إنها إحدى الركائز التي تُقاس بها قوة المؤسسات، ومدى حماية الحقوق، وقدرة الدولة على ضمان المساواة أمام القانون. وفي المغرب، لم يكن بناء المنظومة القضائية بعد الاستقلال مساراً إدارياً عادياً، بل رحلة طويلة تداخلت فيها رهانات السيادة الوطنية مع إعادة تشكيل المؤسسات، وتحديث التشريعات، وإعادة رسم الحدود بين تدبير العدالة واستقلال السلطة القضائية. ومنذ إحداث وزارة العدل سنة 1955، تغيرت الوجوه وتبدلت الحكومات، لكن سؤال العدالة ظل حاضراً في صلب تطور الدولة المغربية.

من عبد الكريم بن جلون إلى أجيال متعاقبة من الوزراء

ارتبطت البدايات الأولى لوزارة العدل بمرحلة تأسيس مؤسسات الدولة المغربية الحديثة، حين تولى عبد الكريم بن جلون التويمي حقيبة العدل ضمن أولى الحكومات التي تشكلت قبيل الاستقلال. وكانت المهمة تتجاوز تدبير مرفق حكومي؛ إذ انصبت على بناء مؤسسات قضائية وطنية، وإعادة تنظيم الإدارة القضائية، وتطوير الإطار القانوني بما ينسجم مع متطلبات الدولة المستقلة.

ومع تعاقب الحكومات، تولى حقيبة العدل عدد من الشخصيات السياسية والقانونية، من بينها محمد بحنان، وعبد الخالق الطريس، ومحمد بوستة، وعبد القادر بن جلون، وعبد الهادي بوطالب، إلى جانب أسماء أخرى أسهمت، بدرجات متفاوتة، في تدبير هذا القطاع خلال مراحل مختلفة من تاريخ المغرب.

وخلال العقود اللاحقة، ارتبطت مسؤولية الوزارة بتحديات متباينة، من توسيع البنية القضائية وتنظيم المحاكم إلى مراجعة التشريعات وتكوين الموارد البشرية. كما برز اسم مولاي مصطفى العلوي في مرحلة امتدت من سنة 1981 إلى سنة 1993، وهي فترة شهدت استمرار العمل على تدبير المرفق القضائي في سياق سياسي ومؤسساتي اتسم بتحولات متلاحقة.

ولم يكن تطور الوزارة منفصلاً عن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي؛ فكلما اتسعت حاجات المواطنين وتنوعت المعاملات الاقتصادية والاجتماعية، ازدادت الحاجة إلى قضاء قادر على مواكبة النزاعات الجديدة، وضمان الأمن القانوني، وحماية الحقوق في مواجهة مختلف أشكال الاعتداء عليها.

حين انتقل إصلاح العدالة من النصوص إلى سؤال الاستقلال

مع مطلع الألفية الجديدة، تصاعد النقاش حول إصلاح منظومة العدالة، ولم يعد محصوراً في تحديث القوانين أو تحسين تدبير المحاكم، بل امتد إلى ضمان استقلال القضاء، وتعزيز النزاهة، وتطوير شروط المحاكمة العادلة، وتحسين علاقة المواطن بالمؤسسات القضائية.

وفي هذا السياق، تعاقب على وزارة العدل وزراء من بينهم محمد بوزوبع، وعبد الواحد الراضي، ومحمد الطيب الناصري، ثم مصطفى الرميد، الذي تولى المسؤولية سنة 2012 في مرحلة اتسمت بتزايد المطالب بإصلاح عميق لمنظومة العدالة.

وشكل دستور سنة 2011 محطة مفصلية في هذا المسار، بعدما كرس استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأرسى أسساً دستورية جديدة لتنظيم القضاء. ولم يكن الأمر مجرد تعديل في الصياغة القانونية، بل تحولاً في تصور موقع القضاء داخل بنية الدولة، وفي طبيعة الضمانات المفترض توفيرها للقضاة والمتقاضين على السواء.

دستور 2011.. محطة فاصلة في تنظيم السلطة القضائية

أعاد دستور 2011 رسم الإطار المؤسساتي للعدالة، من خلال التنصيص على استقلال السلطة القضائية وإحداث المجلس الأعلى للسلطة القضائية باعتباره مؤسسة دستورية تضطلع بضمان استقلال القضاء، وفق الاختصاصات المخولة له قانوناً.

كما شكل استقلال النيابة العامة عن السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، الذي دخل حيز التنفيذ سنة 2017، تحولاً مهماً في توزيع الاختصاصات داخل منظومة العدالة. فمنذ ذلك التاريخ، انتقلت رئاسة النيابة العامة إلى إطار مؤسساتي مستقل عن وزارة العدل، في سياق تنزيل المقتضيات الدستورية المتعلقة باستقلال السلطة القضائية.

وبموجب هذه التحولات، لم تعد وزارة العدل تضطلع بالدور نفسه الذي كانت تؤديه في مراحل سابقة؛ إذ بات مجال اشتغالها يتركز على تدبير الجوانب الإدارية والمالية واللوجستية للمرفق القضائي، والمساهمة في إعداد السياسة التشريعية المرتبطة بالعدالة، وتطوير الخدمات المقدمة للمرتفقين، مع احترام استقلال المؤسسات القضائية في ممارسة اختصاصاتها.

وهكذا، أصبح إصلاح العدالة رهيناً بتكامل الأدوار بين مختلف المؤسسات المعنية، لا بمجرد القرارات الصادرة عن الوزارة وحدها، وهو ما جعل التنسيق المؤسساتي وتحديد المسؤوليات من القضايا الأساسية في مسار تحديث المنظومة القضائية.

من محمد أوجار إلى عبد اللطيف وهبي.. رهانات التحديث والرقمنة

بعد مصطفى الرميد، تولى محمد أوجار حقيبة العدل سنة 2017، ثم خلفه محمد بنعبد القادر سنة 2019، قبل تعيين عبد اللطيف وهبي في أكتوبر 2021. وشهدت هذه المرحلة إطلاق أوراش تشريعية مهمة، من بينها قانون العقوبات البديلة رقم 43.22، ومراجعة قانون المسطرة الجنائية، وإعداد قانون جديد للمسطرة المدنية، إلى جانب مواصلة تحديث الإدارة القضائية وتطوير الخدمات الرقمية.

وتعكس هذه الأوراش توجهاً نحو مراجعة قواعد التقاضي وتطوير السياسة الجنائية وتيسير الولوج إلى العدالة، مع استمرار النقاش بشأن مدى قدرتها على الاستجابة لانتظارات المواطنين. فالقوانين الجديدة ترسم الإطار الذي ينبغي أن تعمل داخله المحاكم، غير أن أثرها الحقيقي يظل مرتبطاً بكيفية تنزيلها، ومدى انسجامها مع الإمكانات البشرية والتنظيمية المتاحة.

غير أن التحدي لا يقف عند حدود تحديث النصوص القانونية، بل يمتد إلى الزمن القضائي، باعتباره أحد أبرز انشغالات المتقاضين. فتأخر البت في بعض القضايا، وتعدد الجلسات، وطول الإجراءات، قد تجعل الوصول إلى حكم نهائي مساراً شاقاً، حتى عندما تكون الحقوق موضوع النزاع واضحة. وفي بعض الملفات، لا ينتهي انتظار المتقاضي بصدور الحكم، بل يستمر إلى حين استكمال إجراءات تنفيذه، بما يطرح سؤال الفعالية العملية للحماية القضائية.

ومن هنا تبرز أهمية الرقمنة وتبسيط المساطر وتحسين تدبير الملفات، إلى جانب توفير الموارد البشرية والإمكانات اللازمة للمحاكم. فالتحول الرقمي يمكن أن يسهم في تسريع تبادل الوثائق والمعطيات، وتيسير تتبع القضايا، وتقليص بعض التأخيرات الإدارية، لكنه لا يشكل حلاً مستقلاً عن باقي الاختلالات التنظيمية والبشرية التي قد تؤثر في سير العدالة.

لذلك، فإن نجاح الإصلاح لا يقاس فقط بصدور قوانين جديدة أو اعتماد خدمات إلكترونية، بل بمدى إسهامها في تقليص آجال التقاضي، وتحسين جودة الخدمات، وضمان محاكمة عادلة داخل أجل معقول، دون المساس بحقوق الدفاع أو باستقلال السلطة القضائية. فالتحديث الحقيقي هو الذي يشعر المواطن بأثره داخل المحكمة، وفي مسار قضيته، وفي قدرته على الوصول إلى حقه وفق القانون.

العدالة المغربية.. بين الإصلاح القانوني وانتظارات المتقاضين

تكشف العودة إلى تاريخ وزارة العدل أن التحول لم يقتصر على تعاقب الوزراء وتغير الحكومات، بل شمل طبيعة المؤسسات القضائية والقواعد التي تنظم عملها. فمن بناء المؤسسات الوطنية بعد الاستقلال، مروراً بالتحول الدستوري الذي كرس استقلال السلطة القضائية سنة 2011، وصولاً إلى الإصلاحات التشريعية الحديثة، قطعت منظومة العدالة مراحل مهمة في إعادة تنظيم بنيتها القانونية والمؤسساتية.

لكن الرهان الأعمق يظل مرتبطاً بالمسافة بين الإصلاح المعلن وأثره في حياة المواطن. فالعدالة الفعالة ليست فقط تلك التي تتوفر على قوانين حديثة ومحاكم مجهزة، بل التي تتيح للمتقاضي عرض قضيته في ظروف ملائمة، والحصول على حكم داخل أجل معقول، وضمان تنفيذه وفق القانون. ومن ثم، فإن تقليص التأخير القضائي وتحسين جودة الخدمات وتعزيز الثقة في المؤسسات تظل معايير أساسية لقياس أثر الإصلاحات، إلى جانب احترام استقلال القضاء وضمان حقوق جميع أطراف الدعوى.

وبين مرحلة التأسيس التي ارتبطت باسم عبد الكريم بن جلون التويمي، والمرحلة التي يقود فيها عبد اللطيف وهبي وزارة العدل، يتواصل مسار تحديث منظومة العدالة المغربية. وهو مسار لا يُختزل في عدد القوانين التي جرى تعديلها، بل تتحدد أهميته بما تستطيع هذه الإصلاحات تحقيقه على أرض الواقع: قضاء أكثر نجاعة، وإجراءات أوضح، وآجال معقولة، وحقوق لا تظل حمايتها رهينة طول الانتظار.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات