كلما عاد النقاش حول أصول فن الراي، عاد معه سجال الهوية والملكية الثقافية بين المغرب والجزائر. غير أن التاريخ الفني يقدم صورة أوسع من محاولات حصر الموسيقى في الحدود السياسية؛ فوهران ارتبطت بنشأة الراي وتطوره، بينما كانت وجدة، بحكم موقعها الجغرافي وامتدادها الثقافي، من أبرز المدن المغربية التي احتضنت هذا اللون الموسيقي ومنحته فضاءً واسعاً للانتشار.
وإذا كان الاعتراف بالجذور الجزائرية للراي حقيقة تاريخية لا تحتاج إلى مزايدة، فإن الحقيقة الأخرى التي تستحق التوقف عندها هي أن المغرب لم يتعامل مع هذا الفن باعتباره امتداداً لبلد آخر ينبغي رفضه أو التضييق عليه، بل فتح له أبوابه، واحتضن جمهوره وفنانيه، وجعل من مدنه فضاءات للحفلات والتلاقي والإبداع.
ولعل ما يميز التجربة المغربية هو قدرتها على استيعاب الاختلاف الثقافي والفني. فالمغرب، الذي يعتز بتعدديته الحضارية، لم يكن يوماً في حاجة إلى إنكار أصول الفنون الوافدة حتى يمنحها مكاناً في مشهده الثقافي. فبلد العز بين الأمم، كما يصفه أبناؤه، ظل بلداً مضيافاً، تتعايش فوق أرضه ثقافات متعددة، وتجد فيه الفنون القادمة من الجوار فضاءً للتعبير والانتشار.
ولم يقتصر هذا الحضور على الجمهور المغربي، بل ارتبط المشهد الفني المغربي أيضاً بأسماء من نجوم الراي الجزائريين الذين وجدوا في المملكة فضاءً لإحياء الحفلات وممارسة نشاطهم الفني، كما اختار بعض مشاهير هذا اللون الموسيقي الإقامة بالمغرب أو اتخاذه محطة لحياتهم المهنية والشخصية.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: في الوقت الذي يتحول فيه الراي أحياناً إلى موضوع للتجاذب والجدل القومي، يظل المغرب فضاءً يستقبل هذا الفن وفنانيه، دون أن يجعل من اختلاف الجنسية أو أصول الموسيقى سبباً للإقصاء.
إن الاعتزاز بالمغرب لا يقتضي إعادة كتابة تاريخ الراي أو نسبته إلى غير موطن نشأته، كما أن الاعتراف بأصوله الجزائرية لا يمنح أحداً حق تجاهل الدور المغربي في احتضانه وتوسيع حضوره.
فالفن قد يولد في مدينة، لكنه يكبر في مدن أخرى، وقد يحمل هوية نشأته، لكنه يجد جمهوره وامتداده في بلدان متعددة.
وهران أنجبت الراي، ووجدة احتضنته، والمغرب فتح له أبوابه.. وتلك واحدة من صور المغرب الذي يعتز بهويته، وينفتح على محيطه، ويؤمن بأن كرم الضيافة لا يتعارض مع الاعتزاز بالذات.