Preloader Image
news خبر عاجل
clock
ثقافة «التظاهر بالرفاهية»: كيف يحولنا الاقتصاد الرقمي إلى أسرى للهوية المستعارة؟

ثقافة «التظاهر بالرفاهية»: كيف يحولنا الاقتصاد الرقمي إلى أسرى للهوية المستعارة؟

إبراهيم باعزيز

لم يعد الاستهلاك في المجتمعات المعاصرة مقتصراً على تلبية الحاجات أو تحقيق قدر من الرفاهية، بل أصبح، في بعض السياقات، وسيلة للتعبير عن المكانة الاجتماعية وصناعة صورة معينة أمام الآخرين. ومع صعود المنصات الرقمية، اكتسبت السلع والخدمات قيمة رمزية قد تتجاوز أحياناً منفعتها المباشرة، بعدما أصبحت تفاصيل الحياة اليومية قابلة للعرض والمشاركة والتقييم أمام جمهور واسع.


وتتقاطع هذه الظاهرة مع مفهوم «الاستهلاك التفاخري» في علم الاجتماع والاقتصاد، حيث لا يرتبط اقتناء بعض المنتجات بحاجتها العملية فقط، وإنما بما تحمله من دلالات مرتبطة بالمكانة والذوق والانتماء الاجتماعي. وفي البيئة الرقمية، اتخذ هذا السلوك أشكالاً جديدة؛ فأصبحت العلامات التجارية، والمطاعم، والوجهات السياحية، وأنماط اللباس، عناصر تدخل في الصورة التي يسعى بعض مستخدمي المنصات إلى تقديمها عن ذواتهم.


ولا تقف المسألة عند حدود الرغبة في الظهور، إذ يمكن للخوارزميات وثقافة المؤثرين أن تساهما في تكثيف المقارنة الاجتماعية. فالمستخدمون والمستخدمات لا يرون فقط ما يملكه الآخرون، بل يتعرضون باستمرار لصور منتقاة من حياتهم، بما قد يجعل بعض أنماط الاستهلاك تبدو وكأنها معيار طبيعي للنجاح والعيش الجيد، رغم أن الصورة المعروضة لا تعكس بالضرورة الواقع المالي أو اليومي الكامل لأصحابها.


وتظهر انعكاسات هذه الثقافة بصورة أوضح عندما يتحول الإنفاق من وسيلة لتلبية الحاجات إلى محاولة مستمرة للحفاظ على صورة اجتماعية معينة. وقد يدفع ذلك، لدى بعض الأفراد، إلى زيادة الإنفاق غير الضروري أو اللجوء إلى الاقتراض الاستهلاكي، بما قد يضغط على الميزانية الشخصية ويحد من القدرة على الادخار. غير أن هذه الآثار لا تنطبق بالضرورة على جميع مستخدمي المنصات الرقمية، إذ تختلف باختلاف الدخل والعمر والبيئة الاجتماعية وطبيعة الاستخدام.


أما الجانب الأكثر عمقاً في الظاهرة، فيتصل بالعلاقة بين الاستهلاك والهوية. فعندما تصبح صورة الفرد أمام الآخرين مرتبطة باستمرار بما يتم ارتداؤه، وما يتم اقتناؤه، وأماكن التردد، وما يتم نشره، قد يصبح الفصل بين الرغبة الشخصية والرغبة التي تتشكل تحت تأثير المحيط الاجتماعي والرقمي أكثر صعوبة. وهنا لا تعود المسألة متعلقة بامتلاك الأشياء فحسب، بل بالدور الذي تؤديه هذه الأشياء في بناء صورة عن الذات.


وفي مواجهة هذا الضغط، لا يعني التوازن رفض الاستهلاك أو التخلي عن مظاهر الرفاهية، وإنما استعادة القدرة على الاختيار بعيداً عن الحاجة المستمرة إلى إثبات المكانة. فجودة الحياة لا تختزل في ما يظهر على الشاشة، وإنما يمكن أن ترتبط أيضاً بالاستقرار المالي، والعلاقات الإنسانية، والوقت، والرضا عن الذات، والقدرة على الاستمتاع بالحياة خارج منطق العرض المستمر.


وفي النهاية، ربما لا تكمن الإشكالية في رغبة الإنسان في حياة أفضل، وإنما في أن تتحول الحياة نفسها إلى واجهة يتعين تحديثها باستمرار أمام الآخرين. وبين ما نريده فعلاً وما نتعلم، تحت تأثير المحيط والمنصات، أن نريده، تبقى المسافة الجديرة بالتأمل هي تلك التي تفصل الحاجة عن الرغبة، والاختيار عن الاستعراض، والهوية الحقيقية عن الصورة التي نصنعها عنها.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات