Preloader Image
من أحمد بنسودة إلى صلاح الدين عبقري.. 70 عاماً من سياسة الشباب بالمغرب: ماذا تغيّر؟

من أحمد بنسودة إلى صلاح الدين عبقري.. 70 عاماً من سياسة الشباب بالمغرب: ماذا تغيّر؟

إبراهيم باعزيز


منذ الأيام الأولى للاستقلال، ارتبط تدبير قطاع الشباب بالمغرب بمهمة تأطير الأجيال الجديدة والمساهمة في بناء مؤسسات الدولة. فمن أحمد بنسودة، الذي ارتبط اسمه ببدايات تدبير الشبيبة والرياضة سنة 1956، إلى صلاح الدين عبقري، الوزير المنتدب المكلف بالشباب في الحكومة المعينة يوم 16 أكتوبر 2026، تغيرت المسؤوليات وتبدلت الأولويات، لكن السؤال الجوهري ظل قائماً: إلى أي حد نجحت السياسات العمومية في مواكبة تحولات الشباب وتحويل البرامج الموجهة إليهم إلى فرص ملموسة في العمل والمشاركة وصناعة القرار؟

من التأطير إلى تحولات السياسة الشبابية

في السنوات الأولى للاستقلال، انصب الاهتمام على بناء مؤسسات التأطير وتنظيم الأنشطة الرياضية والشبابية. وشكل تولي عبد الهادي بوطالب حقيبة الشبيبة والرياضة سنة 1963 إحدى المحطات المبكرة في تطور التدبير الحكومي للقطاع، قبل أن تتعاقب عليه أجيال من المسؤولين، من بينهم عبد اللطيف السملالي ومحمد الكحص ونوال المتوكل ومنصف بلخياط ومحمد أوزين وأمحند العنصر، وصولاً إلى المسؤولين الذين تولوا تدبيره في الحكومات الحديثة.

ولم تكن هذه التحولات مجرد تغيير في الأسماء، بل رافقها تطور في موقع الشباب داخل السياسات العمومية، واتساع تدريجي للاهتمامات من التأطير والرياضة إلى الثقافة والإدماج والمبادرات الشبابية. ومع ذلك، فإن تعاقب المسؤولين لا يكفي وحده لقياس الحصيلة؛ فالمعيار الحقيقي يظل مدى انعكاس السياسات على حياة الشباب وقدرتهم على الوصول إلى الفرص.

أرقام تكشف حجم الرهان

بلغ معدل البطالة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة 36.8 في المائة سنة 2024، فيما تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى وجود نحو 2.9 مليون شاب وشابة بين 15 و29 سنة خارج العمل والتعليم والتكوين. وتعكس هذه المؤشرات حجم التحدي الذي يواجه السياسات العمومية، في ظل صعوبة الانتقال من التكوين إلى الشغل واستمرار تفاوت فرص الإدماج بين الفئات والمناطق.

وفي المقابل، تبرز تجارب مثل مشروع «Mamie Food» بمراكش، الذي أطلقته هدى إسماعيلي بدعم من برنامج «فرصة»، كيف يمكن للتمويل والمواكبة أن يساعدا على تحويل فكرة إلى نشاط اقتصادي. كما وسّع برنامج «جواز الشباب» نطاق الخدمات الموجهة إلى الشباب، لكن أعداد المستفيدين لا تكفي وحدها للحكم على الأثر؛ إذ يظل السؤال مرتبطاً باستمرارية المشاريع، وفرص الشغل التي تُحدث فعلياً، ومدى وصول البرامج إلى شباب المناطق القروية والأحياء الهامشية التي قد تواجه صعوبات في التنقل والاستفادة من التكوين والخدمات.

المشاركة السياسية.. تحدي الثقة والتمثيل

لا تنفصل الصعوبات الاقتصادية عن علاقة الشباب بالمؤسسات السياسية. فقد أعادت معطيات استطلاع «أفروبارومتر» المنشور سنة 2026 طرح أسئلة الثقة في البرلمان والأحزاب السياسية، وحدود شعور فئات من الشباب بقدرتها على التأثير في القرار العام.

فالمشاركة لا تختزل في التصويت، بل تشمل أيضاً القدرة على إيصال المطالب والتأثير في القرارات ومساءلة المنتخبين. ومن ثم، فإن توسيع مشاركة الشباب يتطلب قنوات منتظمة للحوار، واستجابة واضحة لمقترحاتهم، وإشراكهم في تقييم السياسات التي تستهدفهم، بدل الاكتفاء بلقاءات ظرفية لا تتضح نتائجها أو انعكاساتها العملية.

عبقري أمام اختبار الحصيلة

يتولى صلاح الدين عبقري مسؤولية الشباب في مرحلة تتزايد فيها المطالب بربط البرامج العمومية بنتائج ملموسة. ولا يقتصر التحدي على إطلاق مبادرات جديدة، بل يشمل تحسين تنفيذ البرامج، وضمان عدالة الوصول إليها، وتعزيز التنسيق بين القطاعات المعنية بالتكوين والتشغيل والثقافة والتنمية المحلية.

وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الأولويات التي يمكن أن تشكل مدخلاً لتقييم الحصيلة:

* ربط التكوين بالتشغيل: تطوير الشراكات مع المقاولات ومؤسسات التكوين، بما يتيح للشباب اكتساب مهارات تستجيب لحاجيات سوق الشغل.

* ضمان استمرارية المشاريع: مواكبة حاملي المشاريع بعد التمويل، خصوصاً في مجالات التسويق والتدبير المالي، بما يساعد على استمرار أنشطتهم الاقتصادية.

* تقريب الخدمات من الشباب: توسيع أنشطة دور الشباب والتكوين المتنقل والشراكات المحلية، مع إيلاء اهتمام خاص للمناطق القروية والأحياء الهامشية.

* تعزيز المشاركة: إشراك الشباب والجمعيات في مشاورات منتظمة بشأن البرامج الموجهة إليهم، مع توضيح كيفية التعامل مع مقترحاتهم.

* قياس الأثر ونشر النتائج: اعتماد حصيلة دورية تستند إلى مؤشرات واضحة، تشمل استمرارية المشاريع، وفرص الشغل المحدثة، ونسب الإدماج بعد التكوين، والفوارق بين الجهات في الاستفادة من البرامج.

وتبقى قيمة هذه الأولويات رهينة بمدى ترجمتها إلى نتائج قابلة للقياس؛ إذ لا يكفي الإعلان عن البرامج أو احتساب أعداد المستفيدين، ما لم ينعكس ذلك على فرص الشباب واستقلاليتهم الاقتصادية وقدرتهم على المشاركة في الحياة العامة.

من أحمد بنسودة إلى صلاح الدين عبقري، قطع قطاع الشباب بالمغرب سبعة عقود من التحولات المؤسساتية وتبدل الأولويات. لكن الحصيلة لا تُقاس بعدد الوزراء الذين تعاقبوا على تدبيره، ولا بعدد البرامج التي أُطلقت، بل بقدرته على فتح فرص حقيقية أمام الشباب، وتقليص الفوارق في الولوج إليها، واستعادة الثقة في المؤسسات، وتمكين الأجيال الجديدة من المشاركة الفعلية في صناعة مستقبل البلاد.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات