أُحدث نظام المقاول الذاتي في المغرب لفتح آفاق جديدة أمام الشباب، وتسهيل ولوجهم إلى عالم الأعمال، وتشجيع المبادرات الفردية والأنشطة الاقتصادية الصغيرة. غير أن الممارسة تطرح تساؤلات حول مدى احترام الغاية الأصلية من هذا النظام، خصوصاً في الحالات التي تلجأ فيها بعض المقاولات إلى التعاقد مع أشخاص بصفتهم مقاولين ذاتيين، رغم أن طبيعة عملهم قد تشبه علاقة الشغل المأجور.
فبدل إبرام عقد شغل يحدد حقوق الطرفين والتزاماتهما، قد تجد بعض المقاولات في صيغة المقاول الذاتي وسيلة للتعاقد مع أشخاص يؤدون مهاماً منتظمة مقابل مبالغ مالية، في ظروف تستدعي التساؤل حول طبيعة العلاقة التي تربطهم بالمقاولة.
وتكمن الإشكالية عندما لا يتعلق الأمر بشخص مستقل يقدم خدماته لعدة زبائن، وينظم عمله وفق اختياراته الخاصة، بل بشخص يشتغل وفق توقيت محدد، وتحت إشراف المسؤولين داخل المقاولة، ويلتزم بتعليماتهم ويؤدي مهاماً مستمرة ضمن نشاطها اليومي.
في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن يحمل العقد اسم «عقد تقديم خدمات»، أو أن يكون الشخص مسجلاً في نظام المقاول الذاتي، لحسم الطبيعة القانونية للعلاقة. فمدونة الشغل المغربية تربط صفة الأجير بممارسة النشاط المهني تحت تبعية المشغّل مقابل أجر، وهو ما يجعل ظروف العمل الفعلية عنصراً أساسياً في تقييم كل حالة.
وتطرح هذه الممارسات، متى ثبت وجودها، سؤالاً حول الثمن الذي قد يدفعه الشباب مقابل الحصول على فرصة للعمل؛ إذ يمكن أن يجد بعضهم أنفسهم أمام دخل غير مستقر، دون الاستفادة من الضمانات المرتبطة بعلاقة الشغل، بينما تستفيد المقاولة من خدماتهم دون تحمل الالتزامات نفسها التي يفرضها التشغيل المأجور.
ولا يتعلق الأمر بالتشكيك في مشروعية نظام المقاول الذاتي أو في المقاولات التي تعتمد التعاقد المستقل بشكل قانوني، بل بضرورة منع استعمال هذا النظام خارج الغاية التي أُحدث من أجلها، والتمييز بين المبادرة الفردية الحقيقية والعلاقات المهنية التي قد تخفي في واقعها تبعية شغل.
وهنا يبرز دور أجهزة مراقبة تطبيق قانون الشغل، إلى جانب أهمية وعي الشباب بحقوقهم، وضرورة فتح نقاش جدي حول مدى ملاءمة آليات الحماية الاجتماعية والتشغيل مع التحولات التي يعرفها سوق العمل.
فهل نجح نظام المقاول الذاتي في توسيع فرص الاستقلال المهني أمام الشباب، أم أن بعض الممارسات جعلته، في حالات معينة، بديلاً عن عقد الشغل؟ سؤال يستحق النقاش، بعيداً عن التعميم، وبالاستناد إلى معطيات ميدانية تكشف حجم الظاهرة وحدودها.
فالغاية من تشجيع المبادرة الفردية ينبغي أن تكون خلق فرص اقتصادية حقيقية، لا تحويل الاستقلال المهني إلى واجهة تحجب علاقة شغل فعلية أو تنتقص من الحقوق التي يكفلها القانون.