ما أغرب بعض التحولات! صمتٌ يطول حين تكون الظروف مواتية، ثم خطابٌ يشتعل فجأة حين تتبدل الأحوال، واهتمامٌ مستجد بقضايا لم تكن تحظى بالقدر نفسه من الحماسة، وكأن الذاكرة تُمحى بتبدّل الظروف، وكأن صمت الأمس لا يترك أثراً في قراءة مواقف اليوم.
ليس غريباً أن يراجع المرء مواقفه أو يغيّر طريقة تعبيره عنها، فذلك من طبيعة الحياة العامة؛ لكن اللافت أن تتبدل النبرة بهذه السرعة، وأن تكتسب بعض القضايا أهمية استثنائية في لحظات بعينها، بما يفتح باب التساؤل أكثر مما يقدم الأجوبة. فما الذي تغيّر بين الأمس واليوم؟ هل تبدلت زاوية النظر، أم أن الظروف الجديدة أعادت ترتيب الأولويات؟ فالمبادئ لا تُقاس ببلاغة الإعلان عنها، بل بمدى الثبات عليها حين تختلف الحسابات وتصبح المواقف أقل ملاءمة.
والأكثر إثارة للتأمل أن يتحول الهدوء الطويل إلى حماسة مفاجئة، وأن تُقدَّم المواقف الجديدة بقدر كبير من الثقة، وكأن قوة العبارة تكفي وحدها لمنحها وزناً إضافياً. غير أن الخطاب، مهما بدا واثقاً، يظل خطاباً قابلاً للنقاش والتأويل، ولا تكفي نبرته وحدها للحكم على متانته أو على دوافع صاحبه. فبين ما يُقال وما يُفهم مسافة، وبين الانطباع والحقيقة فرق لا يلغيه ارتفاع الصوت، مثلما لا يجعل التكرار الفكرة أكثر إقناعاً بالضرورة.
وهنا يحضر المثل الشعبي «رقصة الديك المدبوح»؛ صورة تختصر المفارقة بين مشهدين وقراءتين. فقد يظن صاحب الحركة أنه يستعرض قوته، وأن كثرة الحركة دليل على أنه ما زال ممسكاً بزمام المشهد، بينما يرى المتفرج المتأمل أن الحركة قد لا تكون رقصة انتصار، بل سكرات ألم، أو ارتباك جرح، أو حركة أخيرة يفرضها الوجع. فهل كل من يرفع سقف التحدي يكون في موقع القوة؟ وهل كل من يعلن بداية المعركة يملك فعلاً زمام نهايتها؟ أم أن بعض المشاهد لا تُقرأ من ضجيجها، بل من توقيتها وما سبقها؟
لا يحتاج المبدأ إلى موسم كي يُعلن عن نفسه، ولا تحتاج الثقة إلى ضجيج كي تثبت حضورها. ومن حق الجميع التعبير عن مواقفهم ومراجعة اختياراتهم، كما أن من حق الرأي العام ملاحظة التحولات ومقارنة الخطاب في مراحله المختلفة. فالتوقيت ليس دليلاً قاطعاً على شيء، لكنه قد يثير أسئلة مشروعة، والإجابة عنها لا تكون بالتخمين، بل بقراءة السياق بهدوء وترك الوقائع تتحدث عن نفسها.
في النهاية، من يثق في حجته لا يحتاج إلى استعراضها، ومن يملك الحقيقة لا يخشى الأسئلة... أما الجمهور، فقد أصبح يجيد قراءة ما بين السطور أكثر مما يظن أصحابها!