وفاة مستخدم بمركز للنداء بمراكش تفتح ملف الضغط النفسي.. أصوات العاملين تطالب بالالتفات إلى معاناتها
لم تقف وفاة مستخدم في عقده الرابع داخل مقر عمله بأحد مراكز النداء بحي جنان أوراد بمقاطعة جليز في مراكش عند حدود الفاجعة، بل أعادت إلى الواجهة النقاش حول ظروف الاشتغال والضغط النفسي داخل قطاع مراكز الاتصال، بعدما أثارت الواقعة تفاعلاً على منصات التواصل الاجتماعي، استحضر خلاله عدد من العاملين الإكراهات التي يقولون إنها ترافق يومياتهم المهنية.
ومن بين التعليقات التي استوقفت المتفاعلين، عبارة مقتضبة كتبتها إحدى المستخدمات: «سعداتو مات». عبارة صادمة في وقعها، تختزل قسوة اللحظة وتفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز الحزن على رحيل زميل إلى ما يعيشه بعض العاملين من ضغط واستنزاف، وفق ما تعكسه التفاعلات المتداولة. فحين تتحول فاجعة وفاة زميل إلى مناسبة لاستحضار معاناة مهنية، يصبح الإصغاء إلى هذه الأصوات ضرورة، لا مجرد تفاعل عابر مع حدث مؤلم.
وتطرح طبيعة العمل في مراكز النداء، بما قد تفرضه من تدفق مستمر للمكالمات وأهداف مرتبطة بمؤشرات الأداء والإنتاجية، سؤالاً جوهرياً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات المردودية وحق الأجراء في ظروف عمل تراعي صحتهم النفسية والجسدية. ولا يتعلق الأمر بإدانة القطاع برمته أو افتراض أن جميع المقاولات تعتمد الظروف نفسها، بل بضرورة فحص الشكاوى التي يثيرها العاملون، والتحقق من مدى احترام فترات الراحة، وملاءمة وتيرة العمل، وتوفر قنوات فعالة للإنصات والمواكبة.
وفي المقابل، يظل تحديد ظروف وفاة المستخدم وأسبابها المباشرة رهيناً بما تثبته المعطيات الطبية والرسمية، ولا يجوز ربطها بالضغط المهني أو تحميل أي جهة مسؤولية عنها قبل اتضاح نتائج البحث. غير أن هذا التحفظ لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتأجيل النقاش بشأن ظروف الاشتغال؛ فمساءلة بيئة العمل حق مشروع، والتحقق من مدى احترام مقتضيات مدونة الشغل ومعايير السلامة مسؤولية تستدعي اضطلاع المقاولات والجهات المختصة، وفي مقدمتها مفتشية الشغل، بأدوارها كلٌّ في نطاق اختصاصه.
وتضع الواقعة، بما أثارته من حزن وأسئلة، ملف الصحة النفسية للأجراء أمام اختبار حقيقي: هل تظل مؤشرات الأداء وأرقام الإنتاجية المعيار الأبرز لتقييم بيئة العمل، أم يُقاس نجاحها أيضاً بقدرتها على صون كرامة العامل وحماية سلامته؟ إن أصوات المستخدمين التي عبّرت عن معاناتها تستحق الإصغاء والتحقق، لا التجاهل ولا التعميم، لأن بيئة العمل السليمة لا تُبنى بالأرقام وحدها، بل كذلك باحترام الإنسان الذي يقف خلف كل سماعة.