Preloader Image
news خبر عاجل
clock
«دخلوك يا مراكش العجم، قصدو بيبانك لكبار.. من باب كْناوة داخلين»: صدى لرصاد وذاكرة المدينة الخالدة

«دخلوك يا مراكش العجم، قصدو بيبانك لكبار.. من باب كْناوة داخلين»: صدى لرصاد وذاكرة المدينة الخالدة

سبق بريس - إبراهيم باعزيز

ليست هذه الكلمات مجرد مقطع عابر من إحدى روائع مجموعة «لرصاد»، بل نافذة تطل على ذاكرة المدينة الحمراء؛ ذاكرة اختزلت في أسوارها وحاراتها وأبوابها العتيقة حكايات حضارات متعاقبة، وصاغت عبر القرون ملامح هوية ثقافية فريدة. هنا، تحولت الأغنية الشعبية الملتزمة إلى وثيقة حية تحفظ صدى الخطى القديمة وتصون روح المكان من النسيان.


حين تستحضر «لرصاد» أبواب مراكش

 الكبرى وإيقاعات كناوة، فإنها لا تكتفي برسم جغرافيا عمرانية، بل تلامس عمق التاريخ الاجتماعي لمدينة تشكلت من تقاطع التجار، والحرفيين، والفنانين. الأبواب هنا ليست مجرد معالم معمارية، وكناوة ليست إشارة موسيقية عابرة؛ بل هما جزء أصيل من حكايات العبور والتلاقح الثقافي التي صنعت فرادة مراكش عبر الزمن، وجعلت الفن الملتزم وعاءً للذاكرة يمتد أثره أطول من لحظة 

إنتاجه.


تُجسد تجربة «لرصاد» نموذجاً فريداً للفن الصادر من قلب الهامش العمراني والاجتماعي؛ إذ انبثقت من أزقة حي القصبة العتيق لتعكس التطلعات اليومية للبسطاء ومجتمع الحومة المراكشية. لقد نجحت المجموعة في مطاوعة النغمة الشعبية وجعلها أداة للتعبير عن التحولات الاجتماعية والوجدانية، متجاوزة الطرح الاحتجاجي المباشر نحو صياغة جمالية رصينة تدمج بين إيقاعات «الكدرة» و«كناوة» وحمولة الشفاهي 

المراكشي الأصيل.


لا تُقرأ أغنية «دخلوك يا مراكش» باعتبارها مجرد نتاج موسيقي لمرحلة ثمانينيات القرن الماضي، بل تفرض نفسها كوثيقة شفوية موازية لما أغفله التدوين التاريخي الرسمي عن الفنون الشعبية ورجالها. إنها تمنح المدينة لساناً يحكي تحولاتها، وتقاوم محاولات تسقيف التراث أو اختزاله في مشهديات استعراضية عابرة، لتعيد الاعتبار للقصيدة الغنائية بوصفها ركناً أساسياً في تشكيل الهوية الثقافية الوطنية ورصيداً لا ينفد للذاكرة الجماعية.


تكتسي العودة إلى هذا الرصيد الفني 

أهمية خاصة في زمن الاستهلاك السريع عبر منصات التواصل الاجتماعي. ففي الوقت الذي تحصد فيه المقاطع العابرة ملايين المشاهدات، تواجه الأعمال ذات الثقل الثقافي خطر التراجع نتيجة تغير شروط الانتشار وتراجع التعريف بالأرشيف الموسيقي. ولا يهدف الاحتفاء بالتراث إلى تجميده أو المفاضلة مع الأذواق الجديدة، بل يرمي إلى إتاحة الفرصة للأجيال الصاعدة لاكتشاف تاريخها الغنائي وتجديد الحوار بين الماضي والحاضر.


إن صيانة الإرث الموسيقي لمجموعات الأغنية الملتزمة ليست حكراً على الفنانين، بل تتطلب جهداً مشتركاً من المؤسسات الثقافية والإعلامية عبر جمع التسجيلات، وتوثيق سياقاتها، وإعادتها للنقاش العمومي. فمراكش لا تختزل في صورتها السياحية أو أسوارها المرممة، بل تصان أيضاً بحفظ أصوات أبنائها وحكاياتهم. وعندما تتردد كلمات «دخلوك يا مراكش العجم»، فإنها تذكرنا دائماً بأن اللحن يمكن أن يتحول إلى شهادة خالدة على الإنسان والمكان والتاريخ.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات