«المندبة كبيرة والميت فار».. صانعو التفاهة بـ«الحمراء» وتحويل المشاكل الصغيرة إلى قضايا كبرى في سوق المشاهدات
إبراهيم باعزيز
في مراكش، المدينة التي تختزن قروناً من التاريخ وتتمتع بإشعاع يتجاوز حدود المغرب، يبدو أن بعض صانعي المحتوى وجدوا في تضخيم الوقائع طريقاً مختصراً نحو الشهرة، حيث تتحول تفاصيل عابرة إلى قضايا كبرى، وتُمنح المشاكل المحدودة حجماً يفوق حقيقتها، في مشهد ينطبق عليه المثل الشعبي: «المندبة كبيرة والميت فار». فبدل نقل الوقائع بقدرها الحقيقي، يجري أحياناً شحنها بالتعليقات والانفعالات، حتى يصبح الضجيج أكبر من الحدث، وتتحول الكاميرا من وسيلة للتوثيق إلى أداة لصناعة الإثارة واستقطاب المشاهدات.
المشكلة ليست في كشف الاختلالات أو انتقاد التدبير المحلي، فذلك حق مشروع للمواطنين، بل في تحويل كل ملاحظة إلى فضيحة، وكل خلاف إلى أزمة، وكل واقعة ناقصة المعطيات إلى قضية مكتملة الأحكام. فبين التوثيق المسؤول والتضخيم مسافة واضحة؛ الأول يضع الوقائع في سياقها ويسعى إلى فهم أسبابها، والثاني قد ينتقي التفاصيل التي تخدم روايته، ويرفع منسوب الإثارة حتى يصبح الانفعال بديلاً عن المعلومة، ويجد المتلقي نفسه أمام أحكام جاهزة قبل اتضاح جميع الملابسات.
وفي ظل السباق المحموم على الانتشار الرقمي، باتت بعض المقاطع تُقدَّم بطريقة تجعل من التفاصيل الصغيرة أحداثاً استثنائية؛ نبرة مرتفعة، وتعليقات مشحونة، وعناوين مثيرة، ثم رواية تُعرض على الجمهور كما لو أنها الصورة الكاملة. وهكذا، قد يتحول خلاف محدود إلى نقاش واسع، لا بسبب حجم المشكلة بالضرورة، بل بسبب الطريقة التي جرى بها تقديمها. غير أن كثرة المشاهدات لا تثبت صحة الرواية، كما أن الانتشار الواسع لا يعني أن المحتوى قدّم معلومة دقيقة أو ساهم في إيجاد حل.
والأخطر أن هذا الأسلوب قد يسيء إلى صورة مراكش، حين تُختزل مدينة بتاريخها ومؤهلاتها الثقافية والسياحية في سلسلة من المشاهد الغاضبة والمقاطع السلبية. فالإنصاف لا يعني التستر على الاختلالات أو تلميع الواقع، لكنه لا يعني أيضاً تضخيم كل عثرة وتقديمها باعتبارها صورة شاملة عن المدينة. مراكش أكبر من أن تختزل في بث مباشر، وأغنى من أن تصبح مشاكلها اليومية مجرد مادة للاستهلاك الرقمي، بعيداً عن سياقاتها الحقيقية وحجمها الفعلي.
ومع ذلك، لا يجوز تحويل هذا النقد إلى حكم جماعي على صانعي المحتوى بالمدينة؛ فهناك من يوظف منصاته للترافع عن قضايا الساكنة، والتعريف بمشاكل الأحياء، والتنبيه إلى أوجه القصور، ومتابعة الملفات التي تستدعي تدخل المسؤولين. هؤلاء يدركون أن قوة المحتوى لا تُقاس بحدة الخطاب أو حجم الضجيج، بل بدقة المعطيات، ووضوح الرسالة، ومدى إسهامه في خدمة الصالح العام. لذلك، فإن انتقاد ممارسات التهويل ينبغي أن يظل موجهاً إلى السلوك نفسه، دون المساس بحرية التعبير أو التقليل من أهمية النقد المواطناتي المسؤول.
فصانع المحتوى الذي يخاطب آلاف المتابعين لا يتحمل مسؤولية التصوير والنشر فقط، بل يتحمل أيضاً مسؤولية احترام سياق الوقائع والتحقق من المعطيات وتجنب تقديم الانطباعات باعتبارها حقائق نهائية. فالكاميرا لا تمنح صاحبها حق إصدار الأحكام، وعدد المتابعين لا يحول الرأي الشخصي إلى حقيقة ثابتة، وحرية التعبير لا تعني إعفاء المحتوى من مقتضيات الدقة والإنصاف. وبين من يوثق اختلالاً بحثاً عن معالجته، ومن يحوّله إلى مشهد مثير لاستقطاب الانتباه، فارق لا ينبغي أن يضيع وسط سباق المشاهدات.
في النهاية، لا تحتاج مراكش إلى من يصنع من كل مشكل صغير قضية كبرى، ولا إلى من يجعل من انشغالات الساكنة وقوداً لمعارك رقمية متواصلة، بل تحتاج إلى محتوى جريء ومسؤول يكشف الاختلالات دون افتعال، وينتقد دون تضليل، ويضع الوقائع في حجمها الحقيقي. فالنقد الجاد لا يحتاج إلى تضخيم الحدث حتى يلفت الانتباه، ولا إلى الصراخ حتى يصل صوته إلى المسؤولين؛ بل يحتاج إلى معطيات دقيقة، وحجج واضحة، وأسئلة تبحث عن أجوبة وحلول.
أما حين تصبح «المندبة كبيرة والميت فار» وصفاً لطريقة تقديم بعض المشاكل على المنصات الرقمية، فإن السؤال لم يعد متعلقاً بعدد المشاهدات التي حصدها المقطع، بل بما كشفه من حقيقة، وما أضافه إلى النقاش، وما ساهم فيه من تغيير. ففي مراكش، كما في غيرها، قد يكون من السهل صناعة الضجيج حول مشكلة عابرة، لكن الأصعب هو تحويل النقد إلى قيمة مضافة، والمشاهدة إلى وعي، والانتشار إلى مسؤولية.