مراكش.. قضية تحرش بقاصر تشعل سجالا بين محاميين حول الحداثة والتقاليد بالمحكمة الابتدائية
شهدت المحكمة الابتدائية بمراكش، صباح اليوم خلال جلسة للنظر في قضية تتعلق باتهامات بالتحرش الجنسي بقاصر، سجالاً حاداً بين محامي المتهم ومحامي الضحية، بعدما انتقل النقاش من مناقشة وقائع الملف إلى مواجهة حول طبيعة السلوك موضوع المتابعة، وحدود التأويل القانوني، والعلاقة بين الحداثة والتقاليد في المجتمع المغربي.
وخلال مرافعته، اعتبر محامي الضحية أن السلوك المنسوب إلى المتهم يتنافى مع القواعد القانونية والتقاليد الاجتماعية، مشدداً على ضرورة النظر إلى الوقائع في سياقها، خصوصاً أن القضية تتعلق بقاصر، بما يثير أسئلة مرتبطة بالحماية والحدود التي ينبغي احترامها في التعامل مع هذه الفئة.
في المقابل، رفض محامي المتهم هذا الطرح، مؤكداً أن موكله، حسب روايته، لم يمارس أي تحرش، وأن ما صدر عنه لا يعدو أن يكون حديثاً عادياً جرى تأويله واعتباره تحرشاً. كما انتقد ما وصفه بـ«دغدغة المشاعر» في مرافعة دفاع الضحية، معتبراً أن مناقشة الملف ينبغي أن تقوم على الوقائع والأدلة، لا على التأثير العاطفي.
وذهب دفاع المتهم إلى استحضار مفهوم الدولة الحداثية، مشدداً على أننا نعيش في دولة حديثة لا ينبغي، بحسب تعبيره، أن تعود بنا النقاشات إلى سنوات خلت، في إشارة إلى ضرورة الاحتكام إلى القانون والمفاهيم القانونية المعاصرة في تقييم الوقائع.
هذا الموقف فتح الباب أمام نقاش يتجاوز حدود القضية نفسها: هل ينبغي أن يكون الاحتكام إلى القانون وحده كافياً لفهم السلوك موضوع المتابعة، أم أن السياق الاجتماعي والثقافي يظل عنصراً مهماً في قراءة الوقائع؟
في مجتمع يعرف تحولات متواصلة في نظرته إلى الحقوق والحريات والعلاقات الإنسانية، يظل التمييز ضرورياً بين التمسك بالقيم الاجتماعية وبين تحويلها إلى أحكام مسبقة، كما يظل من المهم التمييز بين الدفاع عن الحداثة وبين اعتبار كل نقاش مرتبط بالتقاليد عودة إلى الماضي.
فالحداثة القانونية تعني، في أحد أبعادها الأساسية، الاحتكام إلى قواعد واضحة، وضمان حقوق المتهم والضحية، وتقييم الأدلة وفق القانون. أما التقاليد الاجتماعية، فهي جزء من السياق الذي تتشكل داخله نظرة المجتمع إلى السلوك المقبول وغير المقبول، لكنها لا يمكن أن تحل محل القضاء في تحديد المسؤولية القانونية.
وفي القضايا التي تتعلق بالقاصرين، تزداد أهمية هذا التوازن؛ إذ تقتضي حماية القاصر التعامل الجدي مع الادعاءات، فيما تقتضي المحاكمة العادلة عدم اعتبار الاتهام دليلاً على الإدانة، إلى أن تفصل المحكمة في الوقائع وفق المسطرة القانونية.
وبين خطاب يستحضر حماية القاصر والقيم الاجتماعية، وآخر يشدد على الحداثة وضرورة الابتعاد عن التأثير العاطفي، برز خلاف في طريقة قراءة الملف وتقديم حججه أمام المحكمة. ويبقى الفيصل في ذلك هو الأدلة المعروضة وتقدير القضاء لها، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاختزال في ثنائية الحداثة والتقاليد.
سجال مهني لا يلغي الزمالة
ورغم حدة المواجهة بين المحاميين، فإن الخصومة داخل قاعة المحكمة لا تعني بالضرورة وجود عداوة شخصية بينهما. فهما خصمان بحكم القضية، وزميلان بحكم المهنة، ومن حق كل واحد منهما الدفاع عن موقف موكله ومناقشة حجج الطرف الآخر، في إطار احترام القانون وأخلاقيات المحاماة.
وقد تتصاعد حدة المرافعات وتتباين وجهات النظر، لكن ذلك لا يلغي الزمالة المهنية، ولا ينبغي أن يحول الخلاف القانوني إلى خصومة شخصية خارج المحكمة.
وفي ختام الجلسة، تقرر تأجيل النظر في القضية إلى 26 أكتوبر الجاري، لمواصلة أطوار المحاكمة ومناقشة الملف.
وبين أسئلة القانون وضوابط التقاليد، يظل السؤال الأهم هو كيفية ضمان حماية القاصر، واحترام حقوق الدفاع، والوصول إلى الحقيقة القضائية دون أن تتحول الحداثة أو التقاليد إلى شعارات تحجب الوقائع التي يتعين على المحكمة الفصل فيها.