ساهم حظر التجول الذي فُرض في عدد من المدن الفرنسية، عقب موجة من أعمال العنف والنهب خلال عطلة نهاية الأسبوع، في إعادة الهدوء إلى بعض المناطق، وفق ما أعلنته السلطات الفرنسية الثلاثاء، التي أكدت عزمها تمديد الإجراء لليلة ثانية حيث تستدعي الظروف ذلك، وسط ترقب احتجاجات جديدة وتصاعد الضغوط على الحكومة.
وامتدت التدابير الأمنية إلى أجزاء من باريس وليون وبوردو وليل ونيس، مع اقتصار الحظر في المدن الثلاث الأخيرة على القاصرين. وجاءت هذه الإجراءات عقب مواجهات وتخريب طال مباني عامة ومحلات تجارية، في أحداث وُصفت بأنها من بين الأعنف خلال السنوات الأخيرة، بعدما تجاوزت الأضرار ثلاثة آلاف محل تجاري، وفق المعطيات المعلنة، فيما أعلنت وزارة العدل توقيف 2513 شخصاً قيد التحقيق وإيداع 67 آخرين السجن.
وأقر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بوجود «إخفاقات» في تدبير الاحتجاجات، بعدما تحدث وزير الداخلية لوران نونييز عن فقدان السيطرة في بعض المدن، في اعتراف زاد من حدة الانتقادات الموجهة إلى الحكومة بشأن قدرتها على حفظ النظام. وفي المقابل، أثارت التدابير الاستثنائية تحفظات لدى عدد من المسؤولين، إذ شدد رئيس بلدية باريس إيمانويل غريغوار على ضرورة أن يظل حظر التجول إجراءً استثنائياً، فيما دعت زعيمة حزب الخضر مارين تونديلييه إلى كشف أوجه القصور في منظومة حفظ النظام.
ولم تقف تداعيات الأزمة عند الجانب الأمني، بل امتدت إلى صراع سياسي متصاعد قبل الانتخابات الرئاسية المرتقبة بعد ستة أشهر. فقد اتهم حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف الحكومة بالعجز، ووجّه انتقادات إلى حزب فرنسا الأبية اليساري، بينما حذّر رئيس الوزراء من تحركات قال إنها تستهدف إثارة الفوضى والتشكيك في المسار الانتخابي. في المقابل، نفى جان لوك ميلانشون أن يكون حزبه يقود الاحتجاجات، منتقداً أساليب الحكومة في التعامل معها، فيما دعا رئيس مجلس الشيوخ إلى بحث إمكانية حظر الحزب.
وتفاقمت المخاوف بفعل الإصابات الخطيرة التي خلّفتها المواجهات؛ إذ فقدت فتاة تبلغ 17 عاماً إحدى عينيها في مدينة مولوز، فيما بُترت يد شاب في السن نفسها بمدينة سانت إتيان إثر انفجار قنبلة. وعلى الصعيد الاقتصادي، تترقب المتاجر والمطاعم المتضررة تدابير الدعم الحكومي، بالتزامن مع إعلان وزير شؤون المدن عزمه إصدار توجيهات بشأن خصم مبالغ من الإعانات الاجتماعية للمخالفين بما يعادل عائدات أنشطتهم غير المشروعة أو إخفائهم مسروقات.
وعلى المستوى الدولي، تحولت الأحداث الفرنسية إلى مادة للتجاذب السياسي، بعدما استغل الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعمال العنف لتصعيد خطابه المناهض للهجرة والإسلام، رابطاً ما يجري في فرنسا بالمهاجرين والجهاديين والشيوعيين، في توصيف أثار جدلاً واسعاً. وفي المقابل، أدان الاتحاد الأوروبي أعمال النهب والإحراق، مع التشديد على ضرورة حماية الحق في التظاهر السلمي. وبين الضغوط الأمنية والانتقادات السياسية والخسائر الاقتصادية، تواجه الحكومة الفرنسية اختباراً صعباً لاستعادة الاستقرار، دون تحويل الأزمة إلى ذريعة لتقييد الاحتجاج السلمي.