بين تشجيع التشغيل الذاتي والعشوائية خيط رفيع.. لجان المراقبة و"ONSSA" أمام اختبار حماية المستهلك بمراكش
لا يختلف اثنان حول القيمة الرمزية والاقتصادية الكبرى التي يمثلها إقبال شباب مراكش على المبادرة الحرة وخلق مشاريع التشغيل الذاتي؛ فهذه الدينامية الشابة تستحق كل التقدير والدعم والتثمين، بالنظر إلى ما تضخه من طاقة حية وما تعكسه من إرادة صلبة في كسر قيود البطالة وتنشيط الحركة الاقتصادية المحلية داخل المدينة الحمراء، وهو توجه تنموي تفرضه متطلبات المرحلة ويحظى بإشادة الجميع.
لكن، ألا يفصل بين تشجيع المبادرة الذاتية والسقوط في متاهات العشوائية خيط رفيع تكاد تمحوه ممارسات تتناسل يومياً في واضحة النهار؟ وأين تقف الحدود القانونية الفاصلة بين حرية الاستثمار وبين الالتزام الصارم بشروط السلامة الصحية وقوانين حماية المستهلك؟ إلى متى تظل الأسئلة الحارقة معلقة بشأن ما تشهده بعض الفضاءات ومحلات بيع الوجبات السريعة و"المحلبات" بمراكش، حيث تُقدَّم خلطات غذائية مركبة من مواد حساسة وسريعة التلف كالبيض ومشتقات الألبان والزيوت، دون أن يعلم المستهلك ما إذا كانت هذه العمليات تخضع لأدنى معايير التأطير العلمي والبيولوجي المعمول بها؟
أين يتجلى الدور الرقابي لمصالح الشؤون الاقتصادية والتراخيص التابعة للمجالس الجماعية في متابعة الأنشطة الحقيقية الممارسة داخل هذه المحلات؟ هل تتوفر هذه الفضاءات أصلاً على رخص رسمية مسلمة من المجالس الجماعية تخول لها قانوناً مزاولة نشاط "مطعم مجهز بمطبخ"، أم أن الأمر لا يعدو كونه نشاطاً هجيناً يمارَس تحت غطاء رخص تجارية بسيطة خُصصت لبيع مشتقات الحليب أو البقالة بالتجزئة؟ كيف يُسمح لمحل لا يتعدى بضعة أمتار مربعة أن يُنصب فيه موقد ونار ومقالي وطهي مباشر دون ترخيص صريح بنشاط مطعم؟ ومن المسؤول عن غياب التدقيق في دفاتر التحملات، في وقت تفرض فيه القوانين مساطر مشددة وموافقات تقنية مسبقة قبل إشعال موقد واحد أو تحضير وجبة ساخنة موجهة للعموم؟
وأين هي مصالح المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA) من سلاسل توريد وتخزين هذه المواد الاستهلاكية الحساسة؟ هل تُخضع فرق التفتيش التابعة للمكتب هذه المحلات لجولات مباغتة لأخذ عينات مخبرية وفحصها بيولوجياً، حمايةً للمستهلك من أخطار التلوث البكتيري كـ"السالمونيلا" و"الليستيريا" التي تتربص بأي تهاون في حفظ البيض والحليب؟ وكيف تضمن أجهزة الرقابة تتبع مسار المواد الأولية ومطابقتها للمقتضيات القانونية الصارمة التي ينص عليها القانون رقم 28.07 المتعلق بالسلامة الصحية للمنتجات الغذائية؟ هل تتوفر هذه المحلات على شواهد الاعتماد الصحي للمواد المعروضة، أم أن الأمر متروك لاجتهادات تفتقر للسند المخبري المعتمد؟
وإذا نزلنا إلى أرض الواقع بعيداً عن المظاهر البراقة، أين هي أبسط شروط السلامة والوقاية التي يفرضها القانون على أي فضاء يقدم الطعام؟ هل تتوفر هذه المحلات على مطافئ حريق معتمدة وصالحة للاستعمال، أم أن الزبائن والعاملين معلقون بين نيران الطهي وقنينات الغاز دون أدنى وسيلة إنقاذ عند وقوع أي تماس أو حريق مفاجئ؟ أين هي مسالك ومنافذ الإغاثة والتهوية الكافية لطرد الأدخنة والروائح، أم أن الزبائن يُحشرون في مساحات ضيقة تفتقر لأبسط متطلبات الأمان الفيزيائي؟ وهل تتوفر هذه الأماكن على أبسط علبة للإسعافات الأولية لحماية العاملين والزبائن من الحروق والجروح اليومية، أم أن الاستثمار ينصب بالكامل على المغارف وأضواء التصوير بينما تُهمل وسائل السلامة البديهية التي تُلزم بها لجان الوقاية المدنية؟ هل قامت أي لجنة بتفقد صلاحية التمديدات الكهربائية وقربها من مصادر المياه، والتأكد من عدم وجود أسلاك عارية تهدد بالصعق وسط رطوبة التحضير؟
أمام موقع مراكش كعاصمة سياحية للمملكة وواجهة دولية مقبلة على تظاهرات كبرى تستدعي أعلى درجات الجاهزية واليقظة، ألم يحن الوقت لتتحرك اللجان الإقليمية والمحلية المختلطة بكامل ثقلها المؤسساتي لتفعيل المراقبة الدورية المفاجئة؟ أليس من واجب أجهزة الرقابة إماطة اللثام عن هذه التساؤلات المشروعة، والتدقيق في مدى مطابقة الرخص للواقع وفحص توفر شروط السلامة الأولية، حمايةً لصحة المواطن والزائر من جهة، وتحصيناً لمشاريع الشباب أنفسهم من الانزلاق نحو فوضى قد تعصف بثقة المستهلك وسمعة المدينة برمتها؟